بين ضنك العيش وخوف المستقبل: الخرطوم تتأرجح بين دعوات العودة ومرارة الواقع

تقرير ـ عين الحقيقة

​رغم انسحاب الدعم السريع من العاصمة الخرطوم قبل اكثر من عام، إلا أن حكومة بورتسودان فشلت في استعادة الحياة إليها، بين الدعوات المتكررة للمواطنين للعودة إلى ديارهم، وواقع معيشي وأمني مأساوي، يقف المواطن حائراً بين حنين الوطن واستحالة العيش فيه.
​تتفاقم الأزمة المعيشية والاقتصادية في الخرطوم لتصل مستويات غير مسبوقة؛ فالأسعار أصبحت تكوي الجباه، بدءاً من إيجارات المنازل التي تضاعفت بصورة جنونية، مروراً بأسعار المواد الغذائية، والعلاج، والمواصلات، وانتهاءً بتكاليف التعليم.
كل تفصيلة من تفاصيل الحياة اليومية أصبحت عبئاً لا يُطاق على كاهل المواطن الذي فقد مصدر رزقه إبان الحرب.
​خيارات أحلاها مر: شهادات من قلب الأزمة
​في حديث يختزل عمق الفجوة بين الوعود الرسمية والواقع الميداني، يعبر أحد المواطنين بعفوية وحرقة عن أسباب رفض الكثيرين الاستجابة لدعوات العودة، قائلاً: ​”الحكومة بتقول ارجعوا ارجعوا، لكن مافي أي سبب يرجع الناس! جوع، وغلاء إيجارات، وغلاء معيشة، وغلاء في التعليم والمواصلات والعلاج.. مافي حاجة بتهبشها إلا زايدة وغالية. غير الكهربا، نص الخرطوم ما رجعت كهربتها، والرجعت ليهم بشوفوها 6 ساعات في اليوم وتاني انسى! غير انعدام الأمن – الطامة الكبرى دي كمان ، جونا الحركات المسلحة وتفلتاتهم.”
​ويضيف متسائلاً بمرارة عن المنطق الذي يدفع رباً لأسرة للمخاطرة بكرامة وأمن عائلته: و اضاف: ​”عليك الله، أنا زول بالغ عاقل متابع الميديا وشايف الأخبار، شنو البخليني أشيل زوجتي وأطفالي وأنزل بيهم في وضع زي دا؟ ولا أمي وأبوي ناس كبار وأخواتي فتوات؟ لما تبقى دولة، الناس بترجع، لكن طالما العصابات وحكومة الفشل دي ماسكة، مافي زول بخلي حياتو البناها برة عشان خاطر يجي يتذل ويتهان ويتمرمط. عليك الله عاين لوشوش الرجال في الشوارع وعاين للنسوان، حتعرف ليه الناس رافضة الرجعة.. أعوذ بالله من قهر الرجال. دايرين إفصاح حقيقي، دايرين واقع ملموس، ربي يلطف بالسودان والسودانيين.”
​شوارع خاوية وأرواح معلقة
​على الجانب الآخر، تجسد شهادة المواطن عمر الصادق حالة الصدمة العاطفية والنفسية التي يعيشها المقيمون داخل الخرطوم اليوم، وهم يرون مدينتهم الحبيبة قد فقدت روحها وزخمها البشري المعتاد، حيث يقول: ​”والله يا جماعة، عدم رجوع الناس للخرطوم ده عامل لي كورة شراب عديل في صدري.. الناس دي قنعت من البلد؟ ولا عملت مستقبل برة خلاص؟ ولا خايفين الحرب ترجع تاني؟ ولا منتظرين الوضع يرجع زي الأول؟ ولا شافت الوضع برة شوارع وإنارة وعيشة سمحة وبقت شايفة السودان ده عفن ساي؟ ولا الحاصل شنو؟ ياخ الخرطوم بالرغم من الحركة فيها، لكن حاسي بيها لسه فاضية وبقت موحشة.”
​تختصر هذه الكلمات حالة الانقسام الاجتماعي والنفسي الحاد؛ بين من يرى في البقاء أو العودة محاولة للمساس بالكرامة والسلامة الشخصية في ظل انعدام الخدمات والسيطرة الأمنية الهشة وتفلتات الجماعات المسلحة، وبين من يرى الخرطوم قد تحولت إلى شَبَح لماضٍ جميل، يكسوها الحزن والخلاء رغم محاولات دَبّ الحياة فيها.
ومع واقع الحياة في العاصمة و دعوات حكومة بورتسودان للعودة ​تبقى الخرطوم اليوم بين فكي المأساة: أزمة اقتصادية طاحنة وانفلات أمني يجعل من العودة استجابة لنداء قلبٍ مفجوع، ومخاطرة بكرامة وعيش كلاهما بات يعتمد على معجزة أو إصلاح ملموس يعيد للخرطوم هيبتها ويوفر لأبنائها الأمن والأمان.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.