في خضم تصاعد التنافس الإقليمي والدولي على ممرات البحر الأحمر ومضيق باب المندب، دفعت المملكة العربية السعودية باتجاه تشكيل تحالف بحري دفاعي متعدد الجنسيات، في خطوة تتجاوز هدف حماية الملاحة التجارية إلى محاولة إعادة صياغة معادلات الأمن البحري في واحدة من أكثر المناطق حساسية على خارطة الاقتصاد والسياسة العالمية.
ورغم مشاركة ممثلين عن 43 دولة في مراسم الإعلان بالعاصمة الرياض، فإن البيان التأسيسي حمل توقيع 14 دولة فقط في مرحلته الأولى، ما أثار تساؤلات حول طبيعة التحالف وحدود الالتزام الفعلي للدول المشاركة، وما إذا كان يمثل إطاراً أمنياً جماعياً طويل الأمد، أم أداة جديدة لإعادة ترتيب النفوذ الإقليمي تحت مظلة حماية التجارة الدولية.
البحر الأحمر.. ممر التجارة يتحول إلى ساحة تنافس
يأتي الإعلان في ظل تصاعد التهديدات الأمنية في المنطقة، خصوصاً مع التوترات المرتبطة بهجمات الحوثيين على الملاحة البحرية والمصالح الإقليمية، الأمر الذي دفع الرياض إلى البحث عن صيغة أكثر تنظيماً لحماية سواحلها ومصالحها الاستراتيجية.
غير أن التحالف لا يبدو مجرد استجابة ظرفية لتهديدات آنية، بل يمثل جزءاً من صراع أوسع على النفوذ في البحر الأحمر، حيث تتقاطع حسابات الأمن والطاقة والتجارة العالمية، وتتنافس قوى إقليمية ودولية على امتلاك أدوات التأثير في هذا الممر الحيوي.
وتمنح قيادة الرياض للتحالف، واستضافتها مركز القيادة والسيطرة، المملكة دوراً محورياً في إدارة أمن الممرات البحرية، في تحول يعكس رغبتها في الانتقال من موقع المتأثر بأزمات المنطقة إلى موقع الفاعل في هندسة ترتيباتها الأمنية.
تركيبة التحالف.. قوة عسكرية أم تحالف مصالح؟
تعكس قائمة الدول الـ14 المؤسسة مزيجاً بين قوى تمتلك قدرات عسكرية مؤثرة، ودول تستمد أهميتها من موقعها الجغرافي وقربها من مناطق التوتر.
فمشاركة تركيا وباكستان ومصر تضيف وزناً عسكرياً وسياسياً للتحالف، بينما يمنح وجود دول مثل جيبوتي والصومال والسودان واليمن بعداً جغرافياً ولوجستياً، بالنظر إلى مواقعها على سواحل البحر الأحمر وخليج عدن.
لكن هذا التنوع يطرح تحدياً أساسياً: هل يستطيع تحالف يجمع دولاً تختلف في أولوياتها السياسية وحساباتها الإقليمية أن يتحول إلى قوة بحرية متماسكة؟ أم سيبقى إطاراً سياسياً واسعاً تحكمه التباينات أكثر مما تجمعه الأهداف المشتركة؟
غياب الإمارات وعُمان.. سؤال خليجي مفتوح
من أبرز علامات الاستفهام التي رافقت الإعلان غياب الإمارات وسلطنة عُمان عن قائمة الموقعين الأوائل، رغم ثقلهما في معادلات الخليج والبحر الأحمر.
ويبدو موقف مسقط منسجماً مع سياستها التقليدية القائمة على الحياد وتجنب الدخول في ترتيبات عسكرية قد تحد من هامش حركتها الدبلوماسية.
أما أبوظبي، فإن عدم مشاركتها يفتح الباب أمام قراءات متعددة، في ظل نفوذها الكبير في ملفات الموانئ والتجارة البحرية، وربما يعكس تفضيلاً لإدارة مصالحها الأمنية والاقتصادية عبر ترتيباتها الخاصة، بدلاً من الانخراط الكامل في تحالف تقوده الرياض.
رسائل ردع أم بداية عسكرة جديدة؟
رغم تأكيد الطابع الدفاعي للتحالف وعدم استهدافه لأي دولة، فإن تشكيل قوة بحرية بهذا الحجم في منطقة مضطربة يحمل رسائل سياسية تتجاوز حماية السفن التجارية.
فالتحالف يبعث برسالة ردع واضحة إلى الخصوم الإقليميين، لكنه في الوقت ذاته يثير مخاوف من تحول البحر الأحمر إلى ساحة جديدة للمنافسة العسكرية، خصوصاً مع استمرار الصراع على النفوذ بين القوى الإقليمية.
اختبار الرياض الحقيقي
لن يُقاس نجاح التحالف بعدد الدول التي حضرت أو وقعت على البيان، بل بقدرته على بناء منظومة قيادة فعالة، وتنسيق عملياتي حقيقي، وتحويل الإعلان السياسي إلى قدرة عملية تحافظ على أمن الملاحة دون أن تتحول إلى مصدر توتر إضافي.
فالبحر الأحمر لم يعد مجرد ممر للسفن، بل أصبح ساحة تتقاطع فيها مصالح القوى الكبرى والإقليمية.
ويبقى التحدي أمام السعودية هو إثبات أن التحالف مشروع للأمن الجماعي، لا مجرد منصة لتوسيع النفوذ؛ لأن عسكرة الممرات الحيوية قد تحمي المصالح مؤقتاً، لكنها قد تزيد تعقيد المشهد على المدى الطويل.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.