الخرطوم بلا خدمات.. عودة الطوعيين تنتهي بحقائب جاهزة للرحيل مجددًا

تقرير | عين الحقيقة

تواجه جهود إعادة المواطنين إلى العاصمة السودانية الخرطوم اختباراً صعباً، مع بروز حركة نزوح عكسية لبعض الأسر التي عادت إلى مناطقها بعد تحسن الأوضاع الأمنية، قبل أن تصطدم بواقع معيشي بالغ التعقيد، يتصدره ضعف خدمات المياه والكهرباء والصحة والتعليم وارتفاع تكاليف الحياة. وبينما تروج السلطات لبرامج “العودة الطوعية” باعتبارها مؤشراً على استعادة العاصمة لحياتها الطبيعية، تكشف معاناة بعض العائدين أن الوصول إلى المنزل لا يعني بالضرورة انتهاء رحلة النزوح؛ فالمدينة التي يعود إليها المواطن تحتاج إلى الحد الأدنى من مقومات الحياة حتى تتحول العودة من مجرد انتقال جغرافي إلى استقرار حقيقي.

 عادوا إلى المنازل.. وغابت الحياة

تتمثل المشكلة الأساسية التي تواجه العائدين في التفاوت الكبير بين استعادة السيطرة الأمنية على المناطق وبين استعادة الخدمات العامة. ففي عدد من أحياء الخرطوم وأم درمان وبحري، تضررت شبكات الكهرباء والمياه والمرافق العامة خلال الحرب، بينما تحتاج مستشفيات ومدارس ومراكز خدمية إلى إعادة تأهيل وتشغيل. ويجد المواطن الذي أمضى شهوراً أو سنوات بعيداً عن منزله نفسه أمام معادلة قاسية: منزل يمكن العودة إليه، لكن الحياة داخله قد تكون شديدة الصعوبة في غياب المياه والكهرباء والخدمات الصحية والأسواق المنتظمة.

 المياه.. سبب كافٍ للرحيل مجدداً

تأتي أزمة مياه الشرب في مقدمة التحديات، خصوصاً عندما تتوقف محطات الضخ أو تتأثر بانقطاع الكهرباء والأعطال في الشبكات. ويؤدي اضطراب الإمداد إلى اعتماد الأسر على شراء المياه، ما يضيف تكلفة جديدة إلى ميزانيات عائلات أنهكتها الحرب والنزوح وفقدان مصادر الدخل. ويحذر مختصون في الصحة العامة من أن أزمة المياه لا تتعلق بالعطش فقط، وإنما ترتبط بالنظافة والصرف الصحي واحتمالات انتشار الأمراض، ما يجعل استمرارها عاملاً مباشراً في قرار بعض الأسر بمغادرة مناطق العودة.

 الكهرباء تعطل بقية الخدمات

ولا تقل الكهرباء أهمية عن المياه؛ إذ يرتبط بها تشغيل محطات الضخ والمستشفيات والمخابز والمحال التجارية ووسائل حفظ الأدوية والأغذية. وعندما يطول انقطاع التيار، تصبح تكلفة الحياة أعلى، خاصة مع اضطرار السكان والتجار إلى استخدام المولدات والطاقة الشمسية لمن يستطيع تحمل تكلفتها. وبذلك تتحول أزمة الكهرباء من مشكلة خدمية منفردة إلى أزمة تضرب سلسلة كاملة من الاحتياجات اليومية.

 عودة بلا مستشفيات ومدارس

كما تواجه الأسر التي تضم أطفالاً أو مرضى وكبار سن تحدياً إضافياً يتعلق بقدرة المؤسسات الصحية والتعليمية على العودة إلى العمل بصورة طبيعية. فإعادة الأسرة إلى حي لا تتوافر فيه مدرسة قادرة على استقبال الأطفال، أو مركز صحي يقدم العلاج بصورة منتظمة، قد تجعل البقاء أكثر كلفة من استمرار النزوح في ولاية أخرى تتوافر فيها هذه الخدمات. وهنا يظهر الفرق بين “إعادة السكان” و”إعادة المدينة”؛ فالأولى يمكن تحقيقها بالحافلات وفتح الطرق، أما الثانية فتحتاج إلى مستشفيات ومدارس ومياه وكهرباء وأمن وفرص عمل.

 تكلفة العودة

ولا تنتهي التحديات عند الخدمات العامة. فكثير من الأسر العائدة تواجه منازل متضررة تحتاج إلى الصيانة، وأسواقاً تغيرت أسعارها، ومصادر دخل توقفت خلال الحرب. وبالنسبة لموظف فقد جزءاً كبيراً من القوة الشرائية لراتبه، أو عامل فقد وظيفته، فإن العودة إلى الخرطوم قد تتحول إلى عبء اقتصادي جديد بدلاً من أن تكون بداية لاستعادة حياته السابقة. ويرى اقتصاديون أن نجاح العودة السكانية مرتبط بعودة النشاط الاقتصادي نفسه، لأن المدن لا تستقر بالسكان وحدهم، وإنما بالوظائف والأسواق والنقل والخدمات وقدرة الأسر على تمويل احتياجاتها اليومية.

 هل العودة طوعية فعلاً؟

تثير هذه التطورات سؤالاً حول مفهوم “العودة الطوعية” ذاته. فالمعيار الحقيقي للعودة الناجحة ليس عدد المواطنين الذين يصلون إلى العاصمة، وإنما عدد الذين يستطيعون البقاء فيها بصورة آمنة وكريمة. ويرى خبراء في قضايا النزوح أن العودة المستدامة تتطلب توافر الأمن والخدمات وفرص كسب العيش، إضافة إلى قدرة الأسر على اتخاذ قرارها بناءً على معلومات واضحة عن الأوضاع في مناطقها الأصلية. أما إعادة المواطنين إلى مناطق تفتقر إلى مقومات الاستقرار، فقد تنتج حركة دائرية من النزوح: نزوح من الخرطوم بسبب الحرب، ثم عودة إليها، ثم مغادرة جديدة بسبب ظروف المعيشة.

 النزوح المعاكس جرس إنذار

إذا اتسعت ظاهرة مغادرة العائدين للعاصمة، فإنها ستشكل مؤشراً ينبغي للسلطات التعامل معه بجدية، لأنها تعني أن استعادة السيطرة على المدينة لم تتحول بعد إلى استعادة كاملة لوظائفها الأساسية. ويرى مختصون في التخطيط الحضري أن الأولوية في مرحلة ما بعد المعارك ينبغي أن تتركز على إصلاح شبكات المياه والكهرباء، وتشغيل المستشفيات والمراكز الصحية، وإعادة فتح المدارس، وتحسين النقل، وإزالة مخلفات الحرب وتأمين الأحياء السكنية. كما أن نشر معلومات دقيقة عن مستوى الخدمات في كل منطقة قبل تشجيع المواطنين على العودة يمكن أن يجنب الأسر رحلة جديدة من المعاناة.

 العاصمة لا تعود بالشعارات

إن الخرطوم لا تحتاج فقط إلى عودة سكانها؛ بل تحتاج إلى عودة أسباب الحياة. فلا معنى للاحتفال بوصول آلاف المواطنين إذا كان بعضهم سيحزم حقائبه مرة أخرى بحثاً عن الماء والعلاج والكهرباء والتعليم. والاختبار الحقيقي أمام السلطات ليس في عدد حافلات “العودة الطوعية”، وإنما في قدرتها على جعل المواطن الذي عاد اليوم قادراً على البقاء غداً. فإذا استمرت الخدمات في الغياب، قد تتحول العودة التي يراد تقديمها باعتبارها عنواناً للاستقرار إلى نزوح معاكس جديد، يكشف أن معركة إعادة الخرطوم إلى الحياة أصعب بكثير من مجرد إعادة الناس إلى منازلهم.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.