لقاء القاهرة (شمس الدين الكباشي) … وعندما تصبح الدولة رهينة للتسريبات

عصام الشريف

في الدول التي تُدار بالمؤسسات، لا ينبغي أن تتحول الملفات السيادية إلى مادة للتسريبات والإشاعات والتكهنات. وما أُثير حول لقاء عضو مجلس السيادة الفريق أول شمس الدين الكباشي مع المبعوث الأمريكي مسعد بولس في القاهرة يمثل نموذجًا مقلقًا لحالة الغموض التي أصبحت تحيط بإدارة الملف السوداني. فقد أكدت عدة وسائل إعلام أن اللقاء جرى بالفعل، لكن الروايات تضاربت حول ما إذا كان قد تم بعلم رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان أم من دونه، بينما لم يصدر حتى الآن توضيح رسمي حاسم ينهي هذا الجدل.
إن القضية لا تكمن في عقد لقاء دبلوماسي بحد ذاته، فالحوار مع القوى الدولية أمر طبيعي في إدارة الأزمات، وإنما تكمن في غياب الشفافية. فإذا كان اللقاء قد تم بتكليف رسمي، فلماذا تُرك الرأي العام نهبًا للروايات المتضاربة؟ وإذا كان قد تم دون علم القيادة، فإن ذلك يثير أسئلة خطيرة حول مدى الالتزام بالمؤسسية داخل الدولة.
من غير المقبول أن يبقى الشعب السوداني، الذي يدفع يوميًا ثمن الحرب، عاجزًا عن معرفة من يدير ملف بلاده، ومن يفاوض باسمه، وما هي طبيعة المبادرات المطروحة. فالقضايا المصيرية لا يجوز أن تُدار عبر مصادر مجهولة وتسريبات إعلامية، بل عبر مؤسسات واضحة وبيانات رسمية مسؤولة.
لقد ذهبت بعض الروايات إلى القول إن اللقاء تم بعلم البرهان، بينما تحدثت روايات أخرى عن أنه جرى دون إخطار رسمي، في حين لم يقدم أي طرف حكومي بيانًا يحسم الأمر. هذا التضارب أوجد فراغًا إعلاميًا وسياسيًا فتح الباب أمام الشائعات والتفسيرات المتناقضة.
كما انتشرت اتهامات تربط اللقاء بالإسلاميين أو بمراكز نفوذ داخل السلطة، إلا أنه حتى الآن لا توجد أدلة معلنة تثبت هذه المزاعم. ومن الخطأ سياسيًا وإعلاميًا توجيه اتهامات بلا بينة، لكن من حق المواطنين أيضًا أن يتساءلوا: من الذي يحدد سياسة الدولة الخارجية؟ ومن الذي يملك تفويض التفاوض في قضية تمس مستقبل السودان؟
إن أي مؤسسة عسكرية محترفة تقوم على التسلسل القيادي والانضباط. لذلك فإن مجرد ظهور روايات متناقضة حول لقاء بهذا المستوى يكشف خللًا في إدارة الاتصال السياسي، سواء كان الخلل في التنسيق الداخلي أو في طريقة التواصل مع الشعب. وفي الحالتين، فإن النتيجة واحدة: تراجع الثقة في مؤسسات الدولة.
السودان اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الغموض، ولا إلى صراعات النفوذ، ولا إلى تعدد مراكز اتخاذ القرار. بل يحتاج إلى قيادة تتحدث بصوت واحد، وتوضح لشعبها حقيقة ما يجري، لأن الشعوب لا تخشى الحقيقة بقدر ما تخشى الغموض.
إن احترام الشعب يبدأ باحترام حقه في المعرفة. وأي قيادة تطلب من مواطنيها الصبر والتضحية ، مطالبة في المقابل بأن تكون صريحة معهم فيما يتعلق بالقضايا المصيرية. فالدولة لا تُبنى بالشائعات، ولا تُدار بالتسريبات، ولا تستعيد ثقة مواطنيها إلا بالمؤسسية والشفافية والمساءلة.
إن السودان أكبر من الأشخاص، وأكبر من المناصب، وأكبر من أي خلاف داخل دوائر السلطة. وحماية الدولة تبدأ بإعلاء القانون والمؤسسات فوق الجميع، حتى لا يصبح مستقبل الوطن رهينًا لاجتماع غير معلن، أو خبر مسرب، أو رواية لا يعرف أحد مدى صحتها.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.