ترتيب النفوذ أم إقصاء الحلفاء؟.. قرارات البرهان (الحركات المسلحة) أمام الاختبار
تقرير – عين الحقيقة
تفتح القرارات الأخيرة المنسوبة إلى مجلس الأمن والدفاع برئاسة قائد الجيش ورئيس مجلس السيادة الانتقالي عبد الفتاح البرهان باباً واسعاً أمام التساؤلات بشأن مستقبل الحركات المسلحة المتحالفة مع الجيش، وما إذا كانت العلاقة بين الطرفين تدخل مرحلة جديدة عنوانها إعادة ترتيب النفوذ العسكري والسياسي بعد سنوات فرضت فيها الحرب تحالفات استثنائية. وتتمحور أبرز القرارات المتداولة حول منع وجود القوات والتشكيلات المسلحة في مناطق التعدين، إلى جانب ترتيبات تستهدف إخلاء العاصمة الخرطوم من المظاهر والتشكيلات العسكرية وإعادة تنظيم انتشار القوات.
ورغم تقديم مثل هذه الإجراءات في سياق استعادة سلطة الدولة وضبط الأمن وإنهاء تعدد المظاهر العسكرية، فإن توقيتها وطبيعة الجهات التي يمكن أن تتأثر بها أثارا تساؤلات حول ما إذا كانت المسألة تتجاوز الترتيبات الأمنية إلى إعادة رسم موازين القوة داخل معسكر الجيش نفسه. وتذهب قراءات سياسية إلى أبعد من ذلك، إذ ترى أن الحركات المسلحة التي قاتلت إلى جانب الجيش قد تجد نفسها أمام مرحلة مختلفة تماماً عن تلك التي فرضتها المواجهة مع قوات الدعم السريع: مرحلة المنافسة على النفوذ والموارد ومراكز القرار.
من الحليف في الميدان إلى منافس في الدولة؟
خلال الحرب، تحولت العلاقة بين الجيش وعدد من الحركات المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا للسلام من شراكة سياسية مضطربة إلى تحالف عسكري فرضته ظروف المعارك. وشاركت قوات تابعة لحركات مسلحة في جبهات متعددة إلى جانب الجيش، بينما اكتسب قادتها ثقلاً سياسياً وعسكرياً متزايداً بفعل الحرب. لكن السؤال الذي يفرض نفسه الآن هو: ماذا يحدث عندما تتراجع الحاجة العسكرية إلى الحليف، بينما تبقى قواته وسلاحه ومصالحه الاقتصادية ونفوذه السياسي؟
يرى محللون أن هذه النقطة تحديداً قد تمثل بداية التوتر داخل التحالف؛ فالتحالفات التي تنشأ أثناء الحروب لا تنتقل بالضرورة بصورة سلسة إلى مرحلة إدارة الدولة. ويشير خبير في الشؤون العسكرية إلى أن وجود عدة تشكيلات مسلحة داخل العاصمة ومراكز الثقل الاقتصادي يمثل معضلة لأي سلطة تسعى إلى إعادة بناء نموذج مركزي للأمن، لكنه يضيف أن المشكلة الحقيقية تكمن في ما إذا كانت عملية إعادة التنظيم ستشمل الجميع وفق معايير موحدة، أم ستتحول إلى وسيلة لإضعاف أطراف محددة لمصلحة أطراف أخرى.
الخرطوم.. معركة النفوذ الجديدة
إخلاء الخرطوم من التشكيلات المسلحة، إذا طُبق بصورة شاملة، يمكن النظر إليه من زاوية أمنية باعتباره خطوة نحو إعادة الحياة المدنية وتقليل انتشار السلاح داخل العاصمة. لكن للخرطوم قيمة تتجاوز بعدها العسكري؛ فهي مركز مؤسسات الحكم والوزارات والأجهزة السيادية والقرار السياسي والإعلامي.
ولهذا فإن إخراج قوات الحركات المسلحة منها قد تكون له تداعيات سياسية لا تقل أهمية عن التداعيات الأمنية. ويرى محلل سياسي أن «القرب من مركز السلطة في السودان ظل دائماً جزءاً من معادلة النفوذ، ولذلك فإن إخراج قوة عسكرية من الخرطوم لا يعني فقط نقل جنود من مكان إلى آخر، بل يمكن أن يؤدي عملياً إلى تقليص قدرة قياداتها على التأثير في مركز القرار». ومن هذه الزاوية، تبرز مخاوف لدى مراقبين من أن تتحول إعادة الانتشار العسكري إلى إعادة توزيع للنفوذ السياسي.
الذهب.. الضربة الأكثر حساسية
لكن الملف الأكثر حساسية ربما يكون مناطق التعدين. فالذهب أصبح خلال سنوات الحرب والأزمة الاقتصادية أحد أهم الموارد في السودان، فيما أدى ضعف مؤسسات الدولة وانتشار التشكيلات المسلحة وتعدد مراكز السيطرة إلى جعل مناطق الإنتاج والتجارة المرتبطة بالمعدن جزءاً أساسياً من اقتصاد الحرب. ومن هنا، فإن منع القوات المسلحة والتشكيلات المساندة من الوجود في مناطق التعدين يمكن أن يحمل أثراً يتجاوز الجانب الأمني إلى إعادة ضبط مصادر التمويل.
وبحسب القراءة التي أوردتها «الراكوبة»، فإن هذه الخطوة يمكن أن تؤدي إلى تضييق الموارد المالية المتاحة لبعض الحركات وإضعاف قدرتها على تمويل قواتها بصورة مستقلة. ولا يمكن لـ«عين الحقيقة» التحقق بصورة مستقلة من أن القرارات تستهدف بالفعل تجفيف الموارد المالية للحركات المسلحة، لكن خبراء اقتصاديين يشيرون إلى أن السيطرة على مناطق الذهب تمثل واحدة من أكثر أدوات النفوذ حساسية في السودان. ويرى خبير اقتصادي أن «من يسيطر على موارد مستقلة يستطيع الاحتفاظ بدرجة أكبر من الاستقلال السياسي والعسكري، بينما فقدان تلك الموارد يجعل أي تشكيل مسلح أكثر اعتماداً على التمويل القادم من السلطة المركزية». وبالتالي، فإن تطبيق قرار إبعاد التشكيلات المسلحة عن مناطق التعدين بصورة صارمة قد يغيّر معادلة القوة الاقتصادية داخل التحالفات القائمة.
هل انتهت الحاجة إلى الحركات؟
السؤال الأكثر إثارة للجدل يتعلق بمستقبل العلاقة بين البرهان والحركات التي قاتلت إلى جانب الجيش. فالخبر الذي نقلته «الراكوبة» يقدم تفسيراً مفاده أن الحركات جرى استخدامها كقوة مساندة خلال الحرب، وأن مرحلة لاحقة قد تشهد تقليص دورها بعد تراجع الحاجة إليها عسكرياً. ولا توجد حتى الآن أدلة مستقلة كافية تسمح بالجزم بوجود خطة رسمية لتصفية نفوذ تلك الحركات، لكن تاريخ التحالفات العسكرية والسياسية في السودان يجعل فرضية نشوء صراع داخل معسكر المنتصرين أو الحلفاء أمراً لا يستبعده مراقبون. ويقول خبير في فض النزاعات إن التحالفات العسكرية تكون عادة أكثر تماسكاً عندما يوجد «خصم مشترك»، لكن مع تغير الظروف تبدأ الخلافات المؤجلة في الظهور، خصوصاً حول ثلاثة ملفات: السلاح والموارد والسلطة. ويضيف أن التحدي أمام السودان سيكون في الانتقال من «تحالف الضرورة العسكرية» إلى ترتيبات مؤسسية تحدد بصورة واضحة من يحمل السلاح، ومن يسيطر على الموارد، وكيف تشارك القوى الموقعة على اتفاقيات السلام في السلطة.
اتفاق جوبا أمام اختبار جديد
وتضع التطورات أيضاً اتفاق جوبا للسلام أمام اختبار بالغ الحساسية. فعدد من أبرز الحركات الموجودة إلى جانب الجيش اكتسب موقعه الرسمي داخل مؤسسات الدولة استناداً إلى الاتفاق، وبالتالي فإن أي إعادة هيكلة واسعة للوجود العسكري والسياسي لهذه الحركات ستثير بالضرورة أسئلة بشأن مستقبل الترتيبات الأمنية ونصيب أطراف الاتفاق في السلطة. ويرى مراقبون أن الخطر لا يكمن في إخراج القوات من المدن في حد ذاته، بل في تنفيذ ذلك خارج إطار عملية واضحة لدمج القوات وتسريحها وإعادة بناء جيش وطني موحد. فإذا طُلب من الحركات مغادرة الخرطوم ومناطق الموارد من دون تنفيذ شامل للترتيبات الأمنية، فقد تنظر بعض الأطراف إلى الخطوة باعتبارها تقليصاً لنفوذها بدلاً من كونها إصلاحاً أمنياً. وهنا يمكن أن تتحول قضية إعادة الانتشار إلى أزمة سياسية بين حلفاء الأمس.
الحركة الإسلامية.. المستفيد المحتمل؟
الشق الأكثر إثارة للجدل في الرواية المتداولة يتعلق بالحديث عن أن إعادة ترتيب المشهد تستهدف فتح المجال أمام عناصر الحركة الإسلامية ونظام الرئيس السابق عمر البشير لاستعادة نفوذ أكبر داخل مؤسسات الدولة. وتتهم قوى سياسية سودانية منذ اندلاع الحرب عناصر من النظام السابق والحركة الإسلامية باستغلال الصراع للعودة إلى مؤسسات الدولة وتعزيز نفوذها داخل المعسكر المؤيد للجيش. لكن الربط المباشر بين القرارات الأخيرة ووجود «خطة متكاملة» لتمكين الإسلاميين يحتاج إلى أدلة مستقلة تتجاوز التفسير السياسي للأحداث. ويرى محلل سياسي أن المعيار الأساسي للحكم على ذلك سيكون هوية الأطراف التي ستخضع للقرارات وهوية الأطراف التي ستُستثنى منها. فإذا شملت إجراءات إنهاء المظاهر المسلحة جميع التشكيلات بصورة متساوية، فإنها يمكن أن تندرج ضمن عملية استعادة احتكار الدولة للسلاح، أما إذا أُبعدت مجموعات بعينها بينما احتفظت تشكيلات أخرى مرتبطة بمراكز النفوذ بوجودها وقدراتها، فستتعزز الشكوك حول وجود عملية سياسية لإعادة هندسة معسكر السلطة.
الحركات بين ثلاثة خيارات
وتجد الحركات المسلحة نفسها، وفق خبراء، أمام معادلة معقدة. فالقبول الكامل بإعادة الانتشار وفقدان مصادر التمويل المستقلة قد يقلص قدرتها على الضغط السياسي، بينما قد تؤدي مقاومة القرارات إلى مواجهة مباشرة مع الجيش الذي قاتلت إلى جانبه. أما الخيار الثالث فهو التفاوض على ترتيبات جديدة تضمن لها الحفاظ على مكاسب اتفاق جوبا مقابل الانخراط التدريجي في عملية توحيد المؤسسة العسكرية. ويرى خبراء أن هذا المسار سيكون الأقل تكلفة إذا صاحبه اتفاق سياسي واضح، لكنه يصبح أكثر صعوبة إذا اعتقدت الحركات أن المطلوب ليس دمجها في مؤسسات الدولة وإنما تجريدها من أوراق القوة قبل إعادة توزيع السلطة.
ما بعد الحرب وتحالفات الحرب
المفارقة أن الحركات التي عززت الحرب أهميتها العسكرية قد تجد أن المرحلة التالية تفرض عليها التخلي عن الأدوات نفسها التي منحتها هذا النفوذ. وهنا تظهر المعضلة الأساسية: هل يستطيع البرهان إنهاء تعدد الجيوش والتشكيلات المسلحة من دون تفجير معسكر حلفائه؟ الإجابة ستتوقف بدرجة كبيرة على طريقة تنفيذ القرارات. فإعادة الجيش إلى ثكناته، وإخلاء المدن من التشكيلات المسلحة، وإبعاد القوات عن النشاط الاقتصادي ومناطق التعدين، يمكن أن تكون خطوات ضرورية لبناء دولة مدنية مستقرة إذا طُبقت على الجميع ضمن إصلاح أمني شامل.
لكن تطبيق الإجراءات بصورة انتقائية قد يحولها إلى أداة لإعادة توزيع القوة بدلاً من بناء مؤسسة عسكرية وطنية. وبين الروايتين، تبقى الحركات المسلحة أمام اختبار ربما يكون الأصعب منذ توقيع اتفاق جوبا: هل تتحول من حليف عسكري فرضته الحرب إلى شريك في ترتيبات ما بعدها، أم تبدأ مرحلة تقليص نفوذها بعدما انتهت الحاجة إلى دورها في ساحات القتال؟ وهو سؤال ستجيب عنه الأسابيع المقبلة، ليس عبر التصريحات، وإنما عبر خريطة انتشار القوات، والسيطرة على مناطق الذهب، ومصير الترتيبات الأمنية، وهوية القوى التي ستبقى قريبة من مركز القرار في الخرطوم.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.