خبراء لـ”عين الحقيقة”: الخلاف يختبر مستقبل اتفاق جوبا ويكشف تصاعد الصراع داخل معسكر الحلفاء
دخلت العلاقة بين الحكومة في بورتسودان وأطراف موقعة على اتفاق جوبا لسلام السودان مرحلة جديدة من التوتر، بعد تلويح لجنة متابعة تنفيذ الاتفاق باتخاذ خطوات تصعيدية احتجاجاً على إقالة عدد من ممثلي أطراف العملية السلمية من مواقعهم التنفيذية، معتبرة أن هذه الخطوة تمثل مخالفة لنصوص الاتفاق وتهدد مستقبل تنفيذه.
وقال أمين التفاوض والسلام بلجنة متابعة تنفيذ اتفاق جوبا، المرضي أبو القاسم، في تعميم صحفي، إن إقالة ممثلي أطراف العملية السلمية من حكومة الأمل تمثل تجاوزاً لاستحقاقات اتفاق جوبا والوثيقة الدستورية، محذراً من أن أي تعطيل أو تأخير في تنفيذ الشق السياسي من الاتفاق ستكون له انعكاسات مباشرة على تنفيذ الترتيبات الأمنية. وأكد أن مشاركة الحركات الموقعة في مؤسسات السلطة ليست منحة سياسية، وإنما التزام منصوص عليه في اتفاق السلام، يهدف إلى ترسيخ التوافق الوطني والانتقال نحو نظام ديمقراطي.
أزمة تتجاوز المناصب
ويرى مراقبون أن الخلاف الحالي لا يتعلق فقط بإقالة مسؤولين من مواقع تنفيذية، بل يعكس أزمة أعمق تتصل بطبيعة العلاقة بين السلطة المركزية والحركات المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا، في ظل الحرب المستمرة وإعادة ترتيب موازين القوى داخل المعسكر المؤيد للجيش.
ويقول المحلل السياسي الدكتور محمد عبد الله لـ”عين الحقيقة”: “اتفاق جوبا بُني على معادلة تقوم على تقاسم السلطة والثروة والترتيبات الأمنية. لذلك فإن أي تعديل في أحد هذه المسارات قد يدفع الأطراف الأخرى إلى اعتبار أن الاتفاق برمته أصبح محل مراجعة.” وأضاف أن الحركات المسلحة تنظر إلى المناصب التنفيذية باعتبارها جزءاً من الضمانات السياسية التي أقرها الاتفاق، وليس مجرد تمثيل رمزي.
هل تتأثر الترتيبات الأمنية؟
ويعد تحذير لجنة متابعة الاتفاق من تأثير الأزمة على الترتيبات الأمنية من أكثر النقاط إثارة للانتباه، إذ يرى خبراء أن تنفيذ هذا البند ظل يواجه تحديات منذ توقيع الاتفاق في عام 2020، قبل أن تزيد الحرب الحالية من تعقيداته.
ويقول الخبير الأمني اللواء (متقاعد) أحمد الطيب لـ”عين الحقيقة”: “الشق الأمني في اتفاق جوبا يرتبط بدرجة كبيرة بمستوى الثقة بين الأطراف. فإذا شعرت الحركات بأن الالتزامات السياسية لا تُنفذ، فقد ينعكس ذلك على التعاون في الملفات الأمنية، حتى لو لم يصل الأمر إلى انهيار الاتفاق بالكامل.” وأضاف أن استمرار الحرب جعل تنفيذ كثير من البنود الأمنية أكثر صعوبة، الأمر الذي يزيد من حساسية أي خلاف سياسي جديد.
صراع نفوذ داخل السلطة
ويعتقد محللون أن الأزمة الحالية تأتي في سياق أوسع يشهد تنافساً متزايداً بين القوى المتحالفة مع الجيش حول النفوذ السياسي والإداري، مع استمرار الحرب وتغير موازين القوة على الأرض. ويقول الباحث في شؤون السلام الدكتور عادل يوسف لـ”عين الحقيقة”: “هناك شعور لدى بعض الحركات المسلحة بأن مساحة تأثيرها داخل مؤسسات الحكم تقلصت مقارنة بالفترة التي أعقبت توقيع اتفاق جوبا، بينما تسعى الحكومة إلى إعادة هيكلة السلطة بما يتناسب مع المتغيرات التي فرضتها الحرب.” وأشار إلى أن هذا التباين قد يؤدي إلى تصاعد الخلافات إذا لم تُفتح قنوات حوار مباشرة لمعالجة الأزمة.
اتفاق جوبا أمام اختبار جديد
منذ توقيعه في أكتوبر 2020، واجه اتفاق جوبا تحديات متكررة، شملت تعثر تنفيذ عدد من بنوده المتعلقة بالترتيبات الأمنية وتقاسم السلطة والتنمية وعودة النازحين. ويرى مراقبون أن اندلاع الحرب في أبريل 2023 غيّر البيئة السياسية والأمنية التي وُقع فيها الاتفاق، ما جعل كثيراً من استحقاقاته عرضة للتأجيل أو إعادة التفسير.
ويقول أستاذ العلوم السياسية الدكتور عبد الرحمن حسن: “الاتفاق لم يُصمم للتعامل مع حرب بهذا الحجم. ولذلك فإن استمرار النزاع خلق واقعاً جديداً أعاد ترتيب الأولويات، لكنه في الوقت نفسه زاد من أهمية الحفاظ على ما تبقى من التوافقات السياسية.”
سيناريوهات المرحلة المقبلة
ويرى محللون أن الأزمة قد تتجه نحو أحد ثلاثة مسارات: أولاً: احتواء الخلاف عبر تفاهمات سياسية تعيد التأكيد على الالتزام باتفاق جوبا، مع معالجة ملف الإقالات بالتفاوض. ثانياً: استمرار التصعيد السياسي والإعلامي، مع بقاء الاتفاق قائماً من الناحية القانونية، لكنه يواجه صعوبات أكبر في التنفيذ. ثالثاً: انتقال الأزمة إلى مرحلة تؤثر بصورة أوسع على العلاقة بين الحكومة والحركات المسلحة، بما قد ينعكس على ملفات الترتيبات الأمنية والتنسيق العسكري، إذا لم تُعالج الخلافات عبر الحوار.
اختبار للثقة
يرى مراقبون أن القضية المطروحة اليوم تتجاوز أسماء المسؤولين الذين شملتهم الإقالات، وتمثل اختباراً لمدى التزام الأطراف ببنود اتفاق جوبا في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد.
فبينما تؤكد لجنة متابعة الاتفاق أن المشاركة في السلطة حق مكتسب بموجب الاتفاق، ترى أطراف أخرى أن إدارة مؤسسات الدولة تخضع لمتطلبات المرحلة الحالية. وبين هذين الموقفين، يبقى مستقبل الاتفاق مرهوناً بقدرة الأطراف على إدارة خلافاتها سياسياً، دون أن تنعكس على ما تبقى من مسار السلام.
الخلاصة
تكشف الأزمة الأخيرة أن اتفاق جوبا لا يزال يشكل أحد أعمدة التوازن السياسي في السودان، رغم ما يواجهه من تحديات. لكن استمرار الخلافات حول تنفيذ استحقاقاته، بالتزامن مع الحرب الدائرة، يضع الاتفاق أمام اختبار جديد قد يحدد مستقبله، ويؤثر على العلاقة بين الحكومة والحركات المسلحة خلال المرحلة المقبلة.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.