كيف استغلت الحركة الإسلامية القبيلة في تدمير السودان؟ (2/2)

نفيسة حجر

​إذا كانت الحلقة الأولى قد تناولت كيف وظفت السلطة القبيلة في القتال والعنف فإن الأزمة الحقيقية تبدأ من تفاصيل أعمق وأقرب لحياة المواطن اليومية.
لقد تم تأسيس هياكل الخدمة المدنية والمؤسسات الرسمية على قاعدة التمييز والهوية الإثنية وهي حقائق واضحة للجميع لا يمكن إنكارها عند البحث عن أسباب الحرب الجارية.
​يتجلى هذا التمييز في أبسط المعاملات وأعقدها فعند التقديم للكلية الحربية أو شركات النفط يُسأل المتقدم في استمارة التوظيف عن قبيلته.
هذا السؤال لم يكن مجرد إجراء عادي بل أداة لفرز المواطنين وحصر الوظائف في مجموعات محددة حيث أصبحت العمالة والوظائف من الغفير إلى الوزير محتكرة ومسيطر عليها من قبل الأجهزة الأمنية بينما يُحرم خريجو الهندسة والنفط من أبناء المناطق المنتجة من العمل في الحقول المقامة على أراضيهم.
​إن هذا الاستهداف الممنهج لم يكن نتاج إهمال عابر بل كان مخططاً مقصوداً تعاملت به الحركة الإسلامية مع مجتمعات وقبائل بعينها مثل المسيرية بدافع الخوف نظراً لشراستها وقوتها التاريخية المشهودة.
فالتاريخ يشهد أن هذه المكونات كانت دوماً العمود الفقري للجيوش الوطنية التي دحرت المستعمر وصانت الأرض وسعت السلطة لإضعاف هذه القوة عبر حرمان أفرادها من التعليم والصحة والتوظيف لإبقائها تحت خط الفقر والحاجة ومنعها من أخذ حقها الطبيعي في إدارة البلاد.
​وهنا تبرز المقارنة الواضحة في سلوك الحركة الإسلامية تجاه أقاليم البلاد. فبينما استهدفت جنوب السودان وسعت إلى فصله كلياً عبر خطاب إعلامي وديني كرّس التمييز والاستعلاء ووصف أهله بأنهم لا يشبهوننا وأن دينهم مختلف عنا لتهيئة الشارع وتمهيد الطريق للانفصال بل إن أحد قادتها والمؤسس لمنبر السلام العادل الطيب مصطفى قام بذبح ثور احتفالاً وتشفياً عند وقوع الانفصال حتى تحقق ذلك المخطط فإن التعامل مع غرب كردفان كان مختلفاً ومخططاً بعناية.
لم ترد السلطة فصل الإقليم جغرافياً بل سعت إلى إخلائه من محتواه البشري وإضعاف أهله ومجتمعاته لتستولي وحدها على ثرواته الهائلة من بترول وغاز وصمغ عربي وحبوب وثروة حيوانية دون أن تدفع ثمن هذه الثروات تنمية أو خدمات لأصحاب الأرض.
​إن نموذج ولاية غرب كردفان يقدم شاهداً صارخاً على سياسة الإفقار والتهميش. ففي الوقت الذي تتعرض فيه البيئة للتلوث وتُدمّر الأراضي الزراعية تجري عمليات التعويض بأرقام هزلية حيث يُعوض الفدان أو شجرة الهشاب والنبق بفتات لا يُذكر في مقارنة صارخة مع تقييم النخلة بأرقام مضاعفة في شمال البلاد. أما نسبة الـ2% المخصصة قانوناً لتنمية المنطقة المنتجة للنفط والتي كانت تعادل ملايين الدولارات فقد أُهدرت واستُخدمت في التمويل السياسي وشق القوى السياسية والحركات المسلحة بدلاً من استخدامها في شق الطرق القومية وربط مدن الولاية من أبو زبد والميرم إلى كادوقلي وأم عذارة ولقاوة وابو ذبد والفولة وبابنوسة والنهود بينما جرى إلهاء القرى والشباب بحلول شكلية كنوادي المشاهدة.
​والأنكى من ذلك أن النظام الحاكم لم ينفذ هذا المخطط من الفراغ بل استخدم بعض أبناء القبيلة المنتسبين للحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني كأدوات وواجهات لتمرير هذه السياسات وتغطية هذا الظلم بحق أهلهم ومناطقهم.
​ونتيجة لهذا القهر والإفقار بدأت حركات التمرد كحراك مطلبي مشروع قاده أبناء المنطقة حيث قاموا بإغلاق الطرق الرابطة بين الحقول والمركز لإحداث شلل في إنتاج البترول والضغط لأجل حقوقهم. وتأسست حينها حركات مطلبية متتالية ضمت أبناء المنطقة والضباط والجنود الذين تم تسريحهم تعسفياً من الجيش بدءاً بحركة شهامة بقيادة حمدين الذي تم قتله واغتياله أمنياً عبر تتبع جهاز الثرياوشجعان كردفان وصولاً إلى حركة كردفان الكبرى للتحرير “حدق” وتحالفات أخرى.

​ومن المهم هنا تأكيد حقيقة تاريخية فارقة فعندما قامت هذه الحركات المطالبة بالحقوق لم يكن هناك وجود لقوات الدعم السريع وكان نشاط الجنجويد حينها محصوراً في دارفور بقيادة موسى هلال. هذا يثبت أن جذور القضية لم تكن يوماً أجندة عابرة بل كانت مطالب تنموية وحقوقية مشروعة قوبلت بالقمع والاغتيال والتعامل الأمني القاسي.

​وعندما لم تفلح سياسات التجهيل والإفقار في كسر شوكة هذه القبائل وتدجين إرادتها تفاقم الاستهداف مع اندلاع الحرب الحالية ليس فقط بالسلاح بل باستهداف قيمهم وأخلاقهم. فقد أنشئت المنصات الإعلامية الموجهة لبث خطاب الكراهية ضدهم ووصفهم بأوصاف استعلائية وسخرية مفرطة كقولهم أبناء الضيف في إساءة أخلاقية بالغة تجاوزت مجرد التهميش لتطعن في أعراضهم وأنسابهم بالادعاء الخسيس أنهم أبناء غير شرعيين أنجبتهم أمهاتهم من عابري السبيل في تحريف وسقوط قيمي يستهدف أقدس شيمهم المتمثلة في الكرم وإيواء الغريب. وتتتجلى المهزلة في هذه المفارقة التاريخية الصارخة أن تُوصف قبائل أصيلة صانت أرض السودان وقدمت أبناءها لحمايته بهذه النعوت الدنيئة على أرض وطنها.
​وقد صاحب هذه الحرب الإعلامية القذرة استهدافهم في سودانيتهم وفي حقهم الأصيل في الحياة بعد أن خرجت قيادات رسمية في الجيش بخطابات عنصرية نزعت عنهم الصفة الوطنية ووصفتهم بالحواضن وتارة بربطهم بدول الجوار كتشاد والنيجر لشرعنة القصف الجوي بالقوة المميتة على مجتمعاتهم وقراهم كما أعلن صراحة أحد كبار قادة الجيش الفريق أول ياسر العطاء.
​إن التعافي الحقيقي يتطلب إلغاء كافة أشكال الفرز القبلي في استمارات الدولة وتطوير مؤسسات قومية قائمة على الكفاءة والشفافية وإعادة الحقوق والتعويضات العادلة للمناطق المنتجة والوقف الفوري لخطابات التخوين والتنمر العنصري التي تُنزع بها المواطنة والكرامة عن أناس أصلاء حتى لا تظل مظالم الموارد والهوية وقوداً لحروب لا تنتهي

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.