تعيش أوساط اللاجئين السودانيين في مصر حالة متزايدة من القلق، مع دخول منظومة اللجوء المصرية الجديدة مرحلة التطبيق، بالتزامن مع تغييرات إجرائية في عمل مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، أثارت مخاوف بشأن مستقبل الحماية والخدمات وآليات الشكاوى والوصول إلى الجهات المختصة.
وبالنسبة لآلاف السودانيين الذين فروا من الحرب منذ اندلاعها في أبريل 2023، لا تبدو المسألة مجرد انتقال إداري من جهة إلى أخرى، بل تحوّلاً يمس بصورة مباشرة الإحساس بالأمان القانوني، خصوصاً لدى الذين يعيشون أوضاعاً اقتصادية وإنسانية هشة، أو دخلوا الأراضي المصرية في ظروف استثنائية وبطرق غير نظامية هرباً من القتال.
وأثار إعلان المفوضية في مصر عن تعليق استقبال بعض طلبات وخدمات الحماية المباشرة في مكتبها بمدينة السادس من أكتوبر ارتباكاً بين اللاجئين، وسط تساؤلات عن الجهة التي يمكن اللجوء إليها بصورة فورية عند وقوع انتهاك أو توقيف أو نزاع أو تهديد أمني.
وتزداد المخاوف عندما تغيب القنوات المباشرة التي اعتاد عليها اللاجئون، إذ إن الفراغ في خدمات الحماية لا يعني فقط إغلاق باب إداري، وإنما قد يترك الفئات الأكثر هشاشة أمام واقع لا تملك فيه كثيراً من الأدوات القانونية أو المالية للدفاع عن نفسها.
وبحسب رصد «عين الحقيقة»، شهد محيط منشآت مرتبطة بخدمات اللاجئين وقائع توتر واعتداءات ومشاجرات بين بعض المترددين، بما في ذلك شكاوى من اعتداءات وسلب ممتلكات. وهذه الوقائع، أياً كانت تفاصيلها ومسؤوليات أطرافها، تكشف هشاشة الوضع عندما يشعر اللاجئ بأن مظلة الحماية التي يفترض أن يلجأ إليها أصبحت بعيدة أو صعبة الوصول.
من المفوضية إلى الدولة
المعضلة الأكبر ترتبط بالتحول التشريعي نفسه. فقد أصدرت مصر القانون رقم 164 لسنة 2024 بشأن لجوء الأجانب، ونص القانون على إنشاء منظومة وطنية لإدارة ملف اللجوء، مع عدم الإخلال بالاتفاقيات الدولية التي تلتزم بها مصر. كما صدر في مايو 2026 الإطار التنفيذي للقانون، لتبدأ مرحلة جديدة تنتقل فيها مسؤوليات أساسية من الترتيبات السابقة التي كانت تضطلع بها المفوضية إلى مؤسسات الدولة المصرية.
وتنص المنظومة الجديدة على دور محوري لـ«اللجنة الدائمة لشؤون اللاجئين»، فيما أُقرت ترتيبات انتقالية للوثائق والبطاقات التي أصدرتها المفوضية، بحيث تستمر صلاحية البطاقات القائمة وفق ضوابط محددة إلى حين انتهاء مدتها أو إصدار الوثائق الجديدة، أيهما أقرب.
وتقول السلطات المصرية إن الهدف من المنظومة هو تنظيم أوضاع اللاجئين وطالبي اللجوء، وحصر الأعداد، وضمان إدارة أكثر انتظاماً للملف. لكن بالنسبة للاجئين، فإن السؤال الأكثر إلحاحاً ليس من يدير الملف، وإنما: هل ستظل الحماية فعالة وسهلة الوصول ومستقلة بما يكفي لمنع تحول الإجراءات الإدارية إلى مصدر خوف جديد؟
هنا تحديداً تكمن الفجوة بين الخطاب الرسمي والتجربة اليومية للاجئ.
قانون جديد.. ومخاوف قديمة
لا يمكن تجاهل أن القانون المصري يؤكد عدم الإخلال بالاتفاقيات الدولية النافذة في مصر. لكن وجود النصوص القانونية وحده لا يكفي لطمأنة اللاجئين؛ فالحماية الحقيقية تُقاس بقدرة الشخص المهدد على الوصول إلى محامٍ، وتقديم شكوى، والطعن في القرار، والحصول على معلومات واضحة، وضمان عدم إعادته إلى مكان يهدد حياته أو حريته.
وهنا تتضاعف المخاوف بالنسبة للسودانيين الذين دخلوا مصر عقب اندلاع الحرب من منافذ غير نظامية. فهؤلاء لا يواجهون فقط تبعات النزوح، بل قد يجدون أنفسهم أمام تعقيدات مرتبطة بالإقامة والوضع القانوني وإثبات الهوية، في وقت ما تزال فيه الحرب مشتعلة، ولا تزال أجزاء واسعة من السودان تعاني انهياراً أمنياً وإنسانياً واسعاً.
ولا ينبغي أن تتحول الحاجة إلى تنظيم ملف اللجوء إلى ذريعة لتغليب المنطق الأمني على الاعتبارات الإنسانية.
فاللاجئ ليس رقماً في قاعدة بيانات، ولا ملفاً إدارياً قابلاً للنقل من مكتب إلى لجنة. إنه شخص فرّ من حرب، وترك منزله ومصدر رزقه وشبكة أمانه، ووصل إلى بلد يفترض أن يكون مساحة مؤقتة للحماية، لا محطة أخرى للخوف.
خطر العودة إلى المجهول
أكثر السيناريوهات إثارة للقلق يتمثل في أن تتحول الإجراءات الجديدة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى ضغط على بعض السودانيين للعودة قبل توافر شروط العودة الآمنة.
وتؤكد المفوضية أن العودة الطوعية ينبغي أن تتم عندما تتوافر ظروف آمنة، وبقرار مستنير، وبطريقة تحفظ الكرامة والسلامة.
أما السودان الذي قد يعود إليه هؤلاء، فلا يزال يعاني من حرب مدمرة، وانهيار واسع في الخدمات، ونقص حاد في الرعاية الصحية والمياه والكهرباء والاتصالات، فضلاً عن مخاطر الجوع والقتال والنزوح المتكرر.
وبالنسبة للشباب والناشطين وأصحاب المواقف السياسية، فإن المخاطر قد تكون أشد، في ظل احتمال التعرض للتوقيف أو الاستجواب أو الاشتباه على أساس الهوية أو المنطقة أو الانتماء السياسي في مناطق تسيطر عليها أطراف مختلفة من النزاع.
مسؤولية مصر.. ومسؤولية الأمم المتحدة
المسؤولية هنا لا تقع على القاهرة وحدها. فمفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين مطالبة أيضاً بأن تشرح للاجئين بوضوح ما الذي تغير، وما الذي سيبقى، ومن يتولى كل خدمة، وكيف يمكن تقديم الشكاوى، وما هي الضمانات خلال المرحلة الانتقالية.
أما الحكومة المصرية، فعليها أن تثبت عملياً أن نقل إدارة الملف لا يعني تقليص الحماية، وأن القانون الجديد ليس مجرد أداة للضبط الإداري والأمني، وإنما إطار يضمن الحقوق ويمنع التمييز ويحفظ الكرامة الإنسانية.
فالاختبار الحقيقي للمنظومة الجديدة لن يكون في عدد الملفات التي جرى تسجيلها، ولا في حجم البيانات التي تم حصرها، وإنما في مصير الشخص الذي يقف وحيداً أمام قرار توقيف أو ترحيل أو رفض طلب حماية.
في النهاية، لا يحتاج اللاجئ السوداني إلى وعود إضافية بقدر ما يحتاج إلى باب مفتوح عندما تغلق كل الأبواب.
وإذا كانت مصر قد اختارت أن تتولى ملف اللجوء بنفسها، فإن عليها أن تتحمل كامل المسؤولية عن نتائجه. أما أن تنتقل السلطة من مظلة إلى أخرى بينما يبقى اللاجئ بلا حماية كافية، فذلك لا يمثل إصلاحاً لمنظومة اللجوء، بل مجرد تغيير في عنوان الباب الذي يقف خلفه الخوف.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.