بين البندقية والسياسة.. لماذا يرفض الإسلاميون الحل المدني؟

 تيسير المبارك

بعد سنوات من الحرب التي أنهكت السودان، لم يعد السؤال: من انتصر؟ بل: ماذا بقي من الوطن؟ مدن مدمرة، ملايين النازحين، اقتصاد يترنح، وخدمات تكاد تكون معدومة. ومع ذلك، لا تزال أصوات داخل التيار الإسلامي، وفق ما يراه منتقدوه، تتمسك بخيار الحسم العسكري، وكأن الحرب غاية في حد ذاتها وليست كارثة وطنية.

لقد أثبتت التجربة أن الرهان على البندقية لم ينتج استقراراً، ولم يحقق سلاماً، ولم يحافظ على الدولة. بل على العكس، كل يوم إضافي من القتال يعني مزيداً من الضحايا، ومزيداً من الانهيار، ومزيداً من الفقر واليأس.

إن القوى التي ما تزال ترى أن مستقبل السودان يُرسم على وقع المدافع تبدو، في نظر كثير من المراقبين، وكأنها لم تستوعب دروس العقود الماضية. فالدول لا تُدار بمنطق التعبئة الدائمة، ولا تُبنى على استدامة الحرب، ولا تستعيد عافيتها عبر إقصاء السياسة لصالح السلاح.

ويرى منتقدو الحركة الإسلامية أن رفضها المتكرر للتسويات المدنية لا ينطلق فقط من قراءة أمنية للصراع، وإنما من قناعة بأن أي انتقال سياسي حقيقي قد يعيد تشكيل موازين القوة داخل البلاد، ويحد من نفوذها السياسي والتنظيمي. وهذا تفسير سياسي مطروح في الساحة السودانية، وإن كانت أطراف أخرى ترفضه وتقدم روايات مختلفة عن دوافعها ومواقفها.

لكن ما لا يقبل الجدل هو أن السودان لا يستطيع تحمل حرب مفتوحة إلى ما لا نهاية. فالمواطن الذي يقف في طوابير الخبز، أو يبحث عن جرعة دواء، أو يعيش في مخيم نزوح، لا تعنيه خطابات النصر، بل يعنيه أن يتوقف إطلاق النار، وأن يعود إلى منزله، وأن يجد مدرسة لأطفاله ومستشفى يعالجه.

إن التمسك بالخيار العسكري بعد كل هذا الخراب لا يبدو، بالنسبة إلى كثير من السودانيين، دفاعاً عن الوطن بقدر ما يبدو استمراراً لدائرة الاستنزاف التي دفعت البلاد إلى حافة الانهيار. فالسياسة وُجدت لحل النزاعات، لا لإطالة أمدها، والحوار ليس استسلاماً، بل اعتراف بأن الحرب عجزت عن إنتاج الحل.

لقد جرب السودان طويلاً لغة الإقصاء والتخوين، وكانت النتيجة مزيداً من الانقسامات. واليوم، لا يحتاج السودانيون إلى من يرفع سقف المواجهة، بل إلى من يمتلك شجاعة الاعتراف بأن لا أحد يستطيع أن يحكم بلداً ممزقاً بقوة السلاح وحدها.

إن السلام ليس هزيمة لأحد، بل انتصار للحياة. والدولة المدنية ليست خصماً للدين ولا للمجتمع، بل إطار يضمن مشاركة الجميع وفق القانون والمؤسسات، بعيداً عن منطق الاحتكار والاستقطاب.

التاريخ لا يخلّد من أطال أمد الحروب، بل يتذكر من امتلك الشجاعة لإيقافها. والسودان، بعد كل هذا الألم، يستحق أن ينتصر فيه صوت السياسة على صوت الرصاص، وأن تكون الكلمة الأخيرة للمصالحة وبناء الدولة، لا لاستمرار المعركة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.