خرج علينا الناطق الرسمي باسم حكومة النيل الأزرق ببيانٍ يطمئن المواطنين بأن «النيل الأزرق بخير»، وأن الجيش «يقظ»، وأن الأوضاع «تحت السيطرة».
جميل! لكن يبدو أن المقصود بـ«السيطرة» هو السيطرة على البيان، لا على المسيّرات! فالطائرة المسيّرة لا تقرأ البيانات، ولا تتأثر بعبارة «نهيب بالمواطنين الهدوء»، ولا تتوقف احترامًا لـ«نصر من الله وفتح قريب». وإذا أصابت طلمبة بنزين قرب الجامعة، فالمواطن الذي رأى الانفجار بعينه ليس بحاجة إلى خبير في «منصات التواصل الاجتماعي» ليخبره أن ما رآه مجرد شائعة!
المضحك في الأمر أن المواطن السوداني يُطلب منه دائمًا أن يكون أشجع من الذين يطلبون منه الصمود. يُقال له: لا تهرب، اثبت في مكانك، الوضع تحت السيطرة! أما الذين يقولون له ذلك، فليتهم يقدمون لنا نموذجًا عمليًا: أين أبناؤهم؟ وأين أسرهم؟ وأين هم عندما يبدأ الخطر الحقيقي؟ لقد تحولت الحرب إلى مسرحٍ عجيب: المواطن يُطلب منه ألا يخاف، والجيش يُطلب منه أن ينتصر، والقيادة يُطلب منها أن تصنع المعجزات، والبرهان يواصل تسويق أحلامه القديمة بأن النصر «قريب»!
يا سادة، الوطن لا يُحمى بالبيانات، ولا تُهزم المسيّرات بالبلاغة، ولا يُسترد السودان بتخدير المواطن بالأوهام. إن كان النيل الأزرق بخير فعلًا، فليكن الخير في أمن الناس وحياتهم، لا في الأوراق الرسمية. وإن كان الخطر قائمًا، فليكن للناس حق معرفة الحقيقة؛ فالمواطن ليس طفلًا يحتاج إلى مَن يطمئنه بالكذب، وإنما إنسانٌ كامل الأهلية، من حقه أن يعرف: أين الخطر؟ وكيف يحمي نفسه وأسرته؟ أما عبارة «نصر من الله وفتح قريب»، فقد طال انتظارها حتى أصبح المواطن السوداني يتساءل: قريب منو؟ ومنذ متين؟!
لقد آن أوان أن تتوقف حكومة الحرب عن بيع الأحلام للناس، وأن تبدأ في بيع شيء واحد فقط: الحقيقة. فالحقيقة قد تكون مُرّة، لكنها لا تقتل صاحبها كما تقتل الحرب، ولا تخدعه كما تفعل البيانات. والسلام، في نهاية المطاف، أصدق من ألف بيان انتصار. ولقد تجاوز السودانيون مرحلة تصديق بيانات الانتصارات العظيمة، وهم يشاهدون بأعينهم الموت في كل مكان.
إن أطرف ما في بيان حكومة النيل الأزرق أنه، بدلًا من أن يدعو المواطنين إلى الاطمئنان، أصبح يثير لديهم الطمام؛ إذ صار بيان حكومة الجماعة مثيرًا للضحك والقهقهة من عبارات استهلكتها بيانات الجماعة، من شاكلة: «أسود الفرقة الرابعة»، و«اليقظة والاستعداد وبكل احترافية واقتدار»، وعبارة «تحت السيطرة»، و«أن القوات المسلحة على أهبة الاستعداد»، و«عدم الانسياق وراء الشائعات»، و«ثقتنا كبيرة في قواتنا المسلحة وقيادتها»، و«يقظة وبسالة»، و«مواصلة حياتهم بصورة طبيعية»، و«استقاء المعلومات من المصادر الرسمية والموثوقة»، و«جيشنا يقظ، ولن تنال محاولات بث الخوف من عزيمتنا وتماسكنا».
ولا تعليق..
Next Post
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.