«كُوز» في كتاب الصف الأول.. هل تتسلل أيديولوجية الإسلاميين إلى المناهج؟

 تقرير: عين الحقيقة

 

أعاد إدراج مفردة «كُوز» ضمن أمثلة تعليم حرف الكاف في كتاب اللغة العربية المعدّل للصف الأول الابتدائي، الجدل حول حدود السياسة داخل المناهج السودانية، بعدما اعتبرت لجنة المعلمين السودانيين الخطوة مؤشراً على توظيف التعليم في الصراع السياسي، واتهمت الحركة الإسلامية «الإخوان» بمحاولة إعادة إنتاج خطابها داخل المؤسسات التعليمية.

وبحسب بيان لجنة المعلمين السودانيين، وردت المفردة في كتاب اللغة العربية الجديد للصف الأول الابتدائي، الصادر عن المركز القومي للمناهج والبحث التربوي – بخت الرضا، ضمن محتوى موجّه إلى تلاميذ في سن مبكرة.

وترى اللجنة أن اختيار الكلمة، رغم دلالتها اللغوية المعروفة باعتبارها اسماً لإناء، لا يمكن فصله عن الحمولة السياسية التي اكتسبها مصطلح «الكوز» في الخطاب السوداني خلال العقود الأخيرة، حيث ارتبط بصورة وثيقة بالإسلاميين ونظام الرئيس السابق عمر البشير.

من حرف الكاف إلى معركة الوعي

بالنسبة إلى لجنة المعلمين، لا تتوقف القضية عند مفردة واردة في كتاب مدرسي، وإنما تتصل بالسؤال الأوسع حول الجهة التي تصوغ وعي الطفل السوداني، والمرجعيات التي تحكم عملية إعداد المناهج.

وتصف اللجنة إدراج المفردة بأنه «استهداف ناعم لوعي الصغار»، وترى فيه محاولة لتمرير رموز ومصطلحات مرتبطة بالتيار الإسلامي إلى أذهان الأطفال في مرحلة عمرية مبكرة، معتبرةً أن الأمر لا ينبغي التعامل معه بوصفه خطأً لغوياً عابراً.

وربطت اللجنة الواقعة بسلسلة من الأخطاء المصاحبة لعملية «تطوير المناهج»، وقالت إنها سبق أن حذّرت من تشكيل اللجنة المشرفة على عملية التطوير ومن توجهاتها الفكرية والسياسية. وهنا تبرز مفارقة لافتة: في بلد أنهكته الحرب، وأصبح التعليم نفسه أحد أكثر القطاعات تضرراً، يعود الصراع السياسي ليطرق باب المدرسة، هذه المرة عبر كتاب موجّه إلى طفل لم يتجاوز بعد عتبة الصف الأول.

الإسلاميون والمناهج.. صراع على صناعة الوعي

تضع لجنة المعلمين الواقعة في سياق أوسع يتعلق بعلاقة الإسلاميين بالتعليم خلال فترة حكمهم للسودان، وترى أن السيطرة على مؤسسات الدولة لم تكن منفصلة عن محاولة تشكيل المجتمع وفق رؤية سياسية وفكرية محددة.

وبحسب المعطيات، فإن إعادة إنتاج الخطاب الإسلامي داخل المناهج تمثل محاولة لاستعادة إحدى بوابات النفوذ التي فقدها النظام السابق بعد سقوطه.

إلا أن إثبات وجود توظيف سياسي منظّم للمناهج لصالح جماعة بعينها يتطلب أكثر من وجود مفردة ذات دلالة سياسية؛ إذ يستلزم الكشف عن آلية إعداد الكتاب، والجهات التي اقترحت المحتوى، واللجان التي راجعته وأجازته، والمعايير التي استند إليها واضعو المنهج في اختيار مفرداته. وهنا تتحول القضية من مجرد سجال سياسي إلى سؤال مهني يستحق إجابة واضحة وشفافة من الجهات المسؤولة عن المناهج.

لجنة المعلمين تصعّد موقفها

لم تكتفِ اللجنة بالاعتراض على محتوى الكتاب، بل صعّدت موقفها تجاه وزارة التربية والتعليم والجهات المسؤولة عن المناهج، واتهمتها بفتح المجال أمام ما وصفته بالأجندات الحزبية والأيديولوجية.

ووجّهت اللجنة رسالة مباشرة إلى قائد الجيش، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، مستحضرةً تساؤله السابق بشأن وجود الإسلاميين، وقالت إن ما تعتبره عودة لخطابهم يظهر داخل بعض مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها قطاع التعليم.

وترى اللجنة أن حماية المناهج من التسييس والأدلجة لا تنفصل عن معركة وقف الحرب وبناء دولة مدنية ديمقراطية، باعتبار أن التعليم، في رؤيتها، يمثل إحدى ساحات الصراع على مستقبل الدولة والمجتمع.

خبير تربوي: المشكلة في السياق لا في الكلمة وحدها

ويحذّر خبير تربوي فضّل حجب اسمه، في حديث لـ«عين الحقيقة»، من تحويل المناهج الدراسية إلى مساحة لتصفية الحسابات السياسية، مشيراً إلى أن طفل الصف الأول يحتاج إلى محتوى يركز على بناء مهارات القراءة والكتابة والتفكير، بعيداً عن الاستقطاب السياسي.

ويرى الخبير أن الإشكال لا يكمن في كلمة «كُوز» باعتبارها اسماً لإناء معروف في اللغة العربية، وإنما في السياق السوداني الذي اكتسبت فيه المفردة، ومصطلح «الكيزان» تحديداً، دلالةً سياسية شديدة الوضوح.

ويضيف أن واضعي المناهج كان بإمكانهم اختيار عشرات المفردات الأخرى التي تبدأ بحرف الكاف، الأمر الذي يجعل اختيار «كُوز» قابلاً للتساؤل والمراجعة، وإن كان ذلك وحده لا يشكل دليلاً قاطعاً على وجود توجيه سياسي وراء الاختيار.

معلم وباحث: المدرسة ليست منصة حزبية

ومن جانبه، يقول معلم وباحث في العلوم التربوية، تحدث إلى «عين الحقيقة» شريطة عدم ذكر اسمه، إن المناهج الجيدة لا تُقاس بصحة المعلومات وحدها، وإنما كذلك بمدى ملاءمة المحتوى للمرحلة العمرية والسياق الاجتماعي والثقافي للمتعلم.

ويضيف أن أخطر ما يمكن أن يحدث للتعليم هو أن يتحول الطفل إلى «الميدان الأخير للصراع بين النخب السياسية»، مشدداً على أن إصلاح المناهج ينبغي أن يستند إلى معايير تربوية واضحة، ومراجعة علمية مستقلة، وشفافية في اختيار المحتوى. ويرى الباحث أن حماية المدرسة من الأدلجة لا تعني حذف التاريخ أو تجاهل الواقع السياسي، وإنما تعني الفصل بين التعليم بوصفه حقاً عاماً، والسياسة بوصفها مجالاً للصراع بين الكبار.

مطالب بالسحب والمراجعة والمحاسبة

وطالبت لجنة المعلمين السودانيين بالسحب الفوري لكتاب اللغة العربية للصف الأول الابتدائي وإخضاعه لمراجعة شاملة، إلى جانب حل لجنة المناهج الحالية ومحاسبة المسؤولين عن إعداد المحتوى وإجازته، بما في ذلك الجهات واللجان الفنية ذات الصلة بالمركز القومي للمناهج والبحث التربوي في بخت الرضا. وأكدت اللجنة أن حماية المناهج من التسييس والأدلجة تمثل، من وجهة نظرها، جزءاً من معركة أوسع لوقف الحرب وبناء دولة مدنية ديمقراطية.

السؤال الذي يتجاوز «كُوز»

في واقع الأمر، لا تكمن القضية في ما إذا كان «الكُوز» إناءً أم مصطلحاً سياسياً؛ فكلا المعنيين حاضر في الاستخدام السوداني. السؤال الأهم هو: من يختار المفردات التي تدخل إلى عقل الطفل؟ ومن يراجعها؟ ومن يضمن ألا تتحول المناهج إلى أداة لإعادة إنتاج أي مشروع سياسي، إسلامياً كان أو غيره؟

فإذا كان اختيار المفردة قراراً لغوياً محضاً، فإن وزارة التربية والتعليم في حكومة بورتسودان مطالبة بتقديم تفسير مهني واضح للرأي العام. أما إذا كشفت المراجعة عن تدخل سياسي متعمد، فإن القضية ستتجاوز حدود الخطأ في كتاب مدرسي إلى مسألة تتعلق باستقلال المؤسسة التعليمية نفسها.

وفي بلد دفع ثمناً باهظاً جراء تسييس مؤسسات الدولة، تبدو الرسالة الأهم واضحة: المدرسة يجب أن تصنع المعرفة، لا أن تعيد تدوير صراعات السياسة؛ والطفل يجب أن يتعلم الحروف قبل أن يُطلب منه أن يرث معارك الكبار.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.