بسبب أطماع الاسلاميين.. غلاءٌ طاحن يهدد السودانيين بالجوع.. 

 تقرير: عين الحقيقة

 

لم تعد الأزمة الاقتصادية في السودان مجرد ارتفاع عابر في الأسعار، بل تحولت إلى أزمة معيشية تضغط على ملايين الأسر، في وقت تتراجع فيه قيمة الجنيه السوداني وتتسع الفجوة بين دخول المواطنين وأسعار السلع الأساسية، بينما تتزايد التحذيرات من اتساع رقعة الجوع وخطر المجاعة.

وخلال سبتمبر الجاري، شهدت الأسواق في مناطق سيطرة الجيش قفزات حادة في أسعار السلع، بالتزامن مع الانخفاض المتسارع للجنيه أمام العملات الأجنبية. ووصل سعر الدولار في السوق الموازية إلى نحو 8,800 جنيه في 16 سبتمبر، بعد أن كان بين 7,200 و7,300 جنيه في بداية الأسبوع، فيما تجاوز سعر جوال السكر زنة 50 كيلوغراماً 420 ألف جنيه، والدقيق 116 ألفاً، والعدس 165 ألفاً، وفق تقارير سوقية حديثة. وفي 18 سبتمبر، أفادت تقارير بأن الدولار تجاوز 8,200 جنيه، بينما ارتفع سعر جوال السكر إلى نحو 470 ألف جنيه مقابل 380 ألفاً سابقاً، وقفز جوال الدقيق إلى نحو 120 ألف جنيه، وسط إغلاق عدد كبير من المتاجر في بعض المدن بسبب عدم قدرة التجار على تحديد أسعار مستقرة للسلع.

اقتصاد الحرب.. المواطن في مواجهة الغلاء

يرى اقتصاديون أن الانهيار الاقتصادي الحالي لا يمكن فصله عن استمرار الحرب وتدمير الإنتاج والبنية التحتية وتعطيل التجارة والزراعة، فضلاً عن تراجع الإيرادات العامة وانهيار قيمة العملة. وكان وزير المالية جبريل إبراهيم قد أقر في يناير الماضي بأن الحرب أدت إلى فقدان الدولة مصادر إيراداتها في بدايتها، مشيراً إلى أن معظم النشاط الاقتصادي والصناعي كان متركزاً في وسط البلاد. كما أقر بأن جزءاً كبيراً من إنتاج الذهب يخرج عبر التهريب، وأن الصادرات الزراعية تراجعت بصورة كبيرة.

ويشير تحليل لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن الحرب أحدثت خسائر عميقة في الاقتصاد السوداني، طالت الزراعة والصناعة والخدمات ومؤسسات الدولة، بعدما فقد الاقتصاد مليارات الدولارات من الناتج المحلي منذ اندلاع القتال.

خطر المجاعة لم يعد تحذيراً بعيداً

الأخطر من ارتفاع الأسعار هو أن الأزمة الاقتصادية تتقاطع مع أزمة غذاء واسعة النطاق. ويقول برنامج الأغذية العالمي إن نحو 19.5 مليون شخص يواجهون مستويات أزمة أو أسوأ من انعدام الأمن الغذائي، فيما يواجه السودان أزمة تغذية حادة، مع توقع معاناة نحو 825 ألف طفل دون الخامسة من سوء التغذية الحاد خلال 2026. كما توجد مناطق متعددة معرضة لخطر المجاعة.

وتشير منظمة الأغذية والزراعة إلى أن 14 منطقة في شمال دارفور وجنوب دارفور وجنوب كردفان كانت معرضة لخطر المجاعة خلال موسم العجاف، مع استمرار المخاوف بسبب العنف والنزوح وضعف الإنتاج الزراعي وارتفاع أسعار الحبوب إلى مستويات استثنائية. وفي أحدث تحذيرات الأمم المتحدة وبرنامج الأغذية العالمي، يُتوقع أن يرتفع عدد الأشخاص في مرحلة الكارثة الغذائية إلى نحو 200 ألف شخص خلال يونيو–سبتمبر 2026 في 15 منطقة، مع استمرار خطر المجاعة في عدد من البؤر.

«الحرب».. التفسير الرسمي لكل شيء

في خضم هذا الانهيار، قال رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان إن الأزمة الاقتصادية تمثل «معركة» أخرى إلى جانب الحرب، مؤكداً أن البلاد ستخرج منها منتصرة، فيما حمّل وزير المالية جبريل إبراهيم تقلبات السوق للمضاربات وحملة اقتصادية تستهدف الدولة. لكن هذا الخطاب يواجه انتقادات واسعة من اقتصاديين ومراقبين يرون أن تحميل الحرب وحدها مسؤولية الانهيار لا يفسر مجمل الأزمة، وأن استمرار الإنفاق العسكري، وتراجع الإنتاج، وتدهور العملة، والتهريب، وتعدد الرسوم والجبايات، وضعف الإدارة الاقتصادية كلها عوامل تتداخل في إنتاج الوضع الحالي. وكان تقرير تحليلي نشرته The National قد أشار إلى أن الجيش استخدم إيرادات الذهب لتمويل المجهود الحربي، خصوصاً في شراء الطائرات المسيّرة، فيما يرى محللون أن استمرار الحرب في شكل استنزاف يفاقم الأزمة ويجعل تحقيق تسوية سياسية أكثر صعوبة.

الإسلاميون والحرب..

ولا يمكن تناول الأزمة السياسية والعسكرية في مناطق سيطرة الجيش من دون الإشارة إلى الجدل حول نفوذ الإسلاميين داخل المنظومة العسكرية والسياسية. فدراسة نشرها معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى في أبريل 2026 قالت إن شبكات مرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين استعادت نفوذاً داخل مؤسسات الدولة خلال الحرب، وإن الحرب وفرت لبعض هذه الشبكات فرصة لاستعادة النفوذ السياسي. كما تحدثت الدراسة عن اندماج متزايد لبعض الإسلاميين في البنية العسكرية. وهذه قراءة تحليلية للمعهد وليست حقيقة متفقاً عليها بين جميع الأطراف.

كما أشار تحليل آخر إلى أن الحرب تحولت إلى صراع استنزاف، وأن تدخلات خارجية وتدفقات السلاح والتمويل ساهمت في إطالة أمدها. وبالتالي، فإن تحميل البرهان والتيار الإسلامي وحدهما مسؤولية كل جوانب الكارثة الاقتصادية يحتاج إلى تمييز بين المسؤولية المباشرة عن القرارات والسياسات وبين مسؤولية أطراف الحرب الأخرى والعوامل الخارجية. لكن من المشروع مساءلة السلطة التي تدير المناطق الواقعة تحت سيطرتها عن سياساتها الاقتصادية، وأولويات الإنفاق، وإدارة الموارد، وقدرتها على حماية المواطنين من آثار الانهيار.

آراء خبراء ومحللين

المحلل الاستراتيجي عثمان نور الدين قال لـ(عين الحقيقة) الحرب دخلت مرحلة استنزاف معقدة تجاوزت قدرة الأطراف المحلية على احتواء آثارها، مشيراً إلى تراجع التمويل الدولي واختناقات العمل الإنساني التي تقلص قدرة وكالات الإغاثة على الاستجابة. أما الباحث هيوبرت كينكوه من برنامج أفريقيا في «تشاتام هاوس»، فيرى أن جذور الحرب داخلية، لكن استمرار تدفق الأسلحة والتمويل واللوجستيات عبر الحدود ساهم في إبقاء الصراع مشتعلاً، ما يعني أن معالجة الأزمة الاقتصادية والإنسانية تتطلب أيضاً معالجة مصادر تمويل الحرب. ويؤكد الباحث أحمد سليمان أن استمرار تركيز طرفي الحرب على تحقيق انتصار عسكري، بدلاً من مسار سياسي تقوده قوى مدنية سودانية، يظل أحد العوامل الرئيسية التي تعرقل الوصول إلى تسوية تنهي الأزمة.

شعب يدفع الثمن

وسط هذه المعادلة، يبقى المواطن السوداني الطرف الأكثر دفعاً للفواتير. راتب يفقد قيمته قبل نهاية الشهر، وسلعة يتغير سعرها خلال ساعات، وتاجر يخشى البيع لأنه لا يستطيع شراء البضاعة من جديد، وأسر تختصر وجباتها، وأطفال يواجهون خطر سوء التغذية، وملايين النازحين يعتمدون على مساعدات تتراجع مواردها. وقد حذر برنامج الأغذية العالمي في سبتمبر من أن تمويل عملياته في السودان انخفض بشدة؛ إذ بلغ التمويل نحو 206 ملايين دولار مقارنة بـ645 مليوناً في العام السابق، بينما يحتاج البرنامج إلى مئات الملايين الإضافية لاستمرار عملياته.

أزمة بقاء.

فحين يصبح السكر والدقيق والزيت والدواء خارج قدرة ملايين الأسر، وحين تفقد العملة قيمتها بهذه السرعة، وحين يصبح الحصول على الغذاء مرتبطاً بقدرة الأسرة على اللحاق بسعر الدولار، فإن الحديث عن «معركة اقتصادية» لا يكفي. المطلوب هو مساءلة السياسات التي قادت إلى هذا الوضع، ووقف الحرب التي دمرت الإنتاج والأسواق، ووقف تمويل وتسليح الأطراف، وإعادة توجيه الموارد نحو الغذاء والصحة والتعليم والخدمات، وفتح الطريق أمام تسوية سياسية تنهي حكم السلاح. فالسودانيون لا يريدون الانتصار في حرب اقتصادية؛ يريدون ببساطة أن يجدوا ما يأكلونه، وأن يحصلوا على دوائهم، وأن يعيشوا بأمان وكرامة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.