في اليوم العالمي للسلام.. السودان يبحث عن حياة بلا حرب

 نورا عثمان

 

في اليوم الذي يرفع فيه العالم شعار السلام، ويجدد فيه المجتمع الدولي التزامه بوقف الحروب وحماية المدنيين، يقف السودان في الجهة الأخرى من الصورة؛ بلدٌ أنهكته الحرب، وأثقلته الخسائر، وتحوّلت فيه أبسط حقوق الإنسان ــ الأمن، الغذاء، العلاج والتعليم ــ إلى أحلام مؤجلة. في 21 سبتمبر من كل عام، يحتفل العالم باليوم العالمي للسلام. وفي 2026 اختارت الأمم المتحدة شعار «الاستثمار في السلام: للجميع، في كل مكان، كل يوم»، داعيةً إلى جعل السلام خياراً عملياً من خلال الحوار والدبلوماسية وحماية حقوق الإنسان وإنهاء الحروب.

لكن بالنسبة إلى السودانيين، لا يبدو السلام مناسبة للاحتفال بقدر ما هو سؤال موجع: متى تنتهي هذه الحرب؟ منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، دفع المدنيون الثمن الأكبر. فقد دُمرت المنازل والأسواق والمستشفيات والمدارس، وتقطعت سبل العيش، ونزحت ملايين الأسر بحثاً عن مكان أكثر أمناً. وتقول الأمم المتحدة إن نحو 34 مليون شخص في السودان يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، في واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم.

ولم تعد الحرب مجرد مواجهات عسكرية في مناطق بعيدة عن المدن. فقد أصبحت الضربات بالطائرات المسيّرة تهدد الأحياء السكنية والمنشآت المدنية، بينما تتواصل عمليات النزوح وتتقلص قدرة المنظمات الإنسانية على الوصول إلى المحتاجين. وفي سبتمبر، حذرت الأمم المتحدة من استمرار الضربات والقتال في دارفور وكردفان والنيل الأزرق، وما يترتب عليها من سقوط ضحايا ونزوح جديد.

السودانيون لا يريدون حرباً أكثر تنظيماً، بل يريدون نهاية الحرب. هذه الحقيقة البسيطة تبدو غائبة وسط الخطابات السياسية والعسكرية، ومفاوضات لا تنتهي، ومبادرات تتعدد بينما تستمر المعاناة على الأرض. فكل يوم إضافي للحرب يعني أسرة جديدة تفقد منزلها، أو طفلاً ينقطع عن مدرسته، أو مريضاً لا يجد العلاج، أو أماً تبحث عن الغذاء والماء لأطفالها.

وحتى المناطق التي بدأت تستقبل عائدين من النزوح لا تزال تحمل آثار الحرب. ففي الفترة من يناير إلى يونيو 2026، وثقت الأمم المتحدة مقتل أو إصابة 108 أشخاص في 38 حادثاً مرتبطاً بمخلفات الحرب والمتفجرات، مع توقع أن يكون العدد الحقيقي أعلى بسبب محدودية آليات الرصد والتبليغ.

المفارقة المؤلمة أن المجتمع الدولي يعرف حجم الكارثة السودانية، ويصدر البيانات والتحذيرات والنداءات، لكنه لم ينجح حتى الآن في تحويل هذا الإدراك إلى ضغط كافٍ لإنهاء الحرب. وفي يونيو الماضي، قالت الأمم المتحدة صراحة إن التحذيرات المتكررة في السودان فشلت في مرات كثيرة في إطلاق تحرك دولي منسق، داعية الدول التي تمتلك نفوذاً على أطراف النزاع إلى استخدامه لمنع المزيد من إراقة الدماء. وهنا تكمن واحدة من أكبر مآسي السودان: ليس في غياب المعرفة بما يحدث، وإنما في الفجوة بين معرفة العالم بالكارثة وبين حجم الفعل المطلوب لوقفها. لقد أصبح الصمت الدولي، أو بطء التحرك، جزءاً من المشهد الذي يطيل أمد المعاناة. فالسودانيون لا يحتاجون إلى مزيد من بيانات القلق، وإنما إلى خطوات جادة تضع حماية المدنيين ووقف الحرب في مقدمة الأولويات.

السلام الذي يحتاجه السودان ليس مجرد هدنة مؤقتة تسمح بعودة القتال بعد أسابيع، ولا اتفاقاً بين القوى المسلحة يعيد توزيع النفوذ بعيداً عن إرادة المدنيين. السلام الحقيقي يبدأ بوقف القتال، وحماية المدنيين، وفتح الممرات الإنسانية، ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات، وإعادة بناء المؤسسات، وتهيئة الطريق أمام انتقال مدني ديمقراطي يضع مستقبل البلاد في يد شعبها. وهذا يتفق مع رسالة الأمين العام للأمم المتحدة في اليوم العالمي للسلام، التي شددت على أن السلام يحتاج إلى استثمار في الصحة والتعليم والغذاء والحماية الاجتماعية، وحماية الكرامة وحقوق الإنسان، وتعزيز أدوات الدبلوماسية والحوار والتفاوض.

السودان لا يحتاج إلى مزيد من الموت حتى يقتنع العالم بأن الحرب كارثة. ولا يحتاج الأطفال الذين حُرموا من مدارسهم إلى سنوات إضافية حتى يكتشف العالم أن الحرب سرقت مستقبلهم. ولا تحتاج الأسر النازحة إلى رحلة نزوح جديدة حتى تتحول مأساتها إلى أولوية دولية. في اليوم العالمي للسلام، ربما يكون السؤال الأكثر إلحاحاً هو: أين حق السودانيين في السلام؟

فبينما يحتفل العالم بهذه المناسبة، هناك سودانيون يبحثون عن قريب مفقود، وآخرون ينتظرون خبزاً أو دواءً، وأطفال يخافون أصوات الطائرات، وأسر تحاول النجاة من يوم آخر في حرب لا تبدو نهايتها قريبة.

ومع ذلك، يبقى الأمل قائماً. لأن السلام ليس حلماً مستحيلاً، ولأن الشعوب التي عانت من الحروب تستطيع أن تعيد بناء أوطانها متى توقفت البنادق وتقدمت إرادة الحياة. في اليوم العالمي للسلام، لا يحتاج السودان إلى التضامن بالكلمات وحدها؛ يحتاج إلى فعلٍ يوقف الحرب، ويحمي المدنيين، ويفتح الطريق أمام سلام عادل ومستدام. فالسودانيون لا يطلبون المستحيل. إنهم يريدون فقط أن يعيشوا.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.