في بلد يعطش فيه الناس قبل أن يجوعوا، تصبح كل دولارة مخصصة للمياه حقاً مقدساً. وفي أم درمان، كشفت غرفة الطوارئ هذا الخميس عن مستند يوثق تخصيص وتحويل 5,000 دولار أمريكي بتاريخ 22 يونيو 2026، تحت بند المياه والإصحاح البيئي وباسم الغرفة نفسها. وتؤكد الغرفة أنه لم يُنفَّذ على الأرض أي نشاط مرتبط بهذا التمويل حتى اليوم.
المبلغ ليس كبيراً بمقاييس المنظمات، لكنه في الحي الذي ينتظر بئراً أو خزاناً أو صهريجاً يعني شيئاً كبيراً. ومن تسلّمه ثم تركه بلا تنفيذ فقد خان الأمانة وخذل مواطنين وثقوا فيه.
قد تصل التفاصيل إلى ما هو أبعد من التقصير، لكن الحد الأدنى معروف الآن: مال أُرسل للمياه، ولا ماء. وهذا وحده كافٍ لنسأل بصوت عالٍ: أين ذهب المال؟ ومن استلمه؟ ومتى؟
الصمت هنا ليس حياداً. من يعلم ويسكت يصبح شريكاً ضمنياً في إخفاء الحقيقة. الأموال الإنسانية ليست غنيمة، والعمل الطوعي ليس باباً للمصالح الشخصية، وثقة الناس في المتطوعين ليست شيكاً على بياض يُصرف كما يشاء حامله.
والغرفة وضعت المطلوب بوضوح: أن تتحمل الجهة التي تسلمت المبلغ مسؤوليتها الأخلاقية والإدارية والقانونية، وأن تقدم كشف حساب مفصلاً بتوقيت الاستلام وهوية المستلم وآلية الصرف ومكان التنفيذ، وأن تنشر التقرير النهائي للنشاط. هذه ليست شروطاً تعجيزية، بل أبسط ما يُطلب ممن اؤتمن على مال الناس.
والعمل الطوعي في السودان كان وما زال خط الدفاع الأخير حين غابت الدولة. وكل مال يضيع بلا حساب يضرب هذه الثقة، ويعاقب بها المتطوعين الصادقين قبل غيرهم. فإما شفافية كاملة تعيد المال أو أثره إلى أهله، وإما أن يُسمّى الأمر باسمه.
Prev Post
Next Post
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.