يا أبناء السودان.. الإسلامويون نهبوا 25 مليار دولار، فاعرفوا من سرق أحلامكم..!!‏

 خالد عبدالله 

أكتب وأنا أعلم أن كثيرين سيقرؤون هذه السطور وقد عرفوا الحقيقة منذ زمن بعيد، لكنني أكتب لمن وُلدوا بعد أن كانت الجريمة قد ‏اكتملت، لمن نشأوا ولم يروا السودان إلا على هذه الحال، فظنوا أن الفقر قدر، وأن التخلف طبيعة، وأن بلادهم لم تكن يوماً قادرة على ‏أكثر مما هي عليه، أكتب لهم، وأقسم أنني لن أكِل ولن أملَّ حتى تعرف الأجيال الجديدة من أين جاء الخراب، ومن صنعه، وتحت أي ‏راية رُفعت أثناء تنفيذه‎.‎
بين عامَي 1995 و2009، نُهب من السودان ‏‎25.162 ‎مليار دولار أمريكي، و428 مليار دينار، و223 مليار جنيه سوداني‎. ‎ليست هذه ‏أرقاماً نسمعها في خطاب سياسي، بل هي موثقة في تقارير المراجع العام، ونشرتها الصحافة السودانية المستقلة، وحللها باحثون ‏وصحفيون قضوا أعماراً في تتبع هذا الملف. والسؤال الذي يجب أن يسكن وجدان كل سوداني: ماذا كان يمكن أن يصنع هذا المال ‏ببلادنا؟
وفي عامَي 1991 و1992، اتُّخذت قرارات وصفها الخبراء بـ”القنابل الموقوتة”: تبديل للعملة، وكشف لحسابات المودعين أمام مصلحة ‏الضرائب وتجار الحركة الإسلامية، فانهارت سرية المعاملات المصرفية وتصدّعت استقلالية بنك السودان. وفي تلك اللحظة بالذات، ‏بدأت تولد طبقة لم تعرفها البلاد من قبل: أباطرة مال لا يملكون من رأس المال الحقيقي شيئاً، لكنهم يحملون في جيوبهم ما هو أثمن، ‏ورقة الولاء السياسي‎.‎
‏اليد التي تتوضأ لا تسرق”.. ثم سرقوا..!!‏
استخدم النظام الشعارات الدينية كما يستخدم الصياد الطُعم، كانت الشريعة لافتةً في الواجهة، والنهب يجري في الخلف، وأي صوت ‏يرتفع بالمحاسبة يُصوَّر على الفور وكأنه طعن في الدين نفسه، ومع مرور السنين، بلغ الأمر حداً اعترف فيه قادة الحركة أنفسهم بأن ‏الفساد أصبح وسيلة لتثبيت النفوذ، فغابت “الأمانة وعفة اليد” عن مسلك الذين رفعوا شعارات الطهر الديني وملأوا بها الآفاق‎.‎
وكانت الحصيلة أن صنّفت منظمة الشفافية الدولية السودان بين أكثر ثلاث دول فساداً في العالم خلال الفترة 2006-2009، وأصبح ‏الفساد ظلاً يلازم المواطن من المأكل والملبس إلى التعليم والصحة، بعد أن كان استثناءً يُحاسَب عليه‎.‎
‏الجوكية.. 237 رجلاً يأكلون وطناً..!!‏
في قلب هذه المنظومة كانت تعمل ظاهرة عُرفت بـ(الجوكية) أو كما سمّاهم محافظ بنك السودان صراحةً‎ “‎المخربون”‏‎ ‎مجموعة من ‏نحو 237 مستثمراً فقط استأثرت بـ85% من جملة التمويلات المتعثرة في البلاد، حسب صحيفة (السوداني)، في عددها الصادر بتاريخ ‏‏15 يوليو 2008م،هؤلاء لم يكونوا متعثرين بالمعنى المالي، بل كانوا يتعمدون استغلال الثغرات القانونية لتحميل خسائرهم الخاصة على ‏كاهل الدولة والفاتورة؟ ثلاثون مليار جنيه سوداني، ما يعادل ‏‎15 ‎مليار دولار أمريكي، ذهبت إلى غير رجعة‎.‎
‏الانهيارات المصرفية.‏
في عام 1993، وُلد بنك النيلين للتنمية الصناعية من دمج مؤسستين عريقتين، فكانت أولى “إنجازاته” مجزرة وظيفية: أُبعد الخبراء ‏وجاء الموالون ممن لا يعرفون في العمل المصرفي شيئاً. وبحلول 1997 كان البنك قد انهار، والمواطن السوداني يدفع الثمن ضرائب ‏وجبايات لم يعرف لها سبباً‎.‎
وفي 1998 كشفت تقارير المراجع العام كارثة بنك نيما: قروض بالمليارات لمسؤولين كبار بلا ضمانات، ومنشآت وعربات صُرفت ‏عليها أموال البنك، حتى صدر قرار بتصفيته في أغسطس 1999. وفي قضية بنك الخرطوم فرع بحري عام 2006، حصل أحد الأفراد ‏على خطابات ضمان بقيمة ‏‎34 ‎مليار جنيه مستنداً إلى رهونات مزورة، بتواطؤ صريح من مدير الفرع ومدير الاستثمار، أما بنك أم ‏درمان الوطني فقد كان يحظى بحماية مباشرة من رئاسة الجمهورية أضعفت رقابة البنك المركزي عليه، حتى كشف تقرير صندوق ‏النقد الدولي عام 2009 أن قروضه المتعثرة وحدها كانت تمثل نصف القروض المتعثرة في النظام المصرفي السوداني كله، هذه نماذج ‏فقط التي أدت إلى الانهيارات المصرفية.‏
‏اليخت الملوكي.. والطفل يتسوّل على الضفة..!!‏
في وقت كان فيه الطفل السوداني يتسوّل الطعام في الشارع، وحين كان التلميذ ينحر نفسه عجزاً عن سداد رسومه الدراسية، كانت ‏الحكومة تُشيّد يختاً فارهاً في سلوفينيا بـ‎4.5 ‎مليون دولار من أموال هذا الشعب نفسه. الهدف كان استخدامه في جولات نيلية وحفلات ‏مسائية لاستضافة رؤساء الدول في قمة الاتحاد الأفريقي بالخرطوم يناير 2006‏‎.‎
وصل اليخت إلى بورتسودان في ديسمبر 2005، وحين حاولوا نقله براً إلى الخرطوم، تحولت المهمة إلى مهزلة تاريخية: قُطع 132 ‏سلكاً للكهرباء والاتصالات، ودُمّرت طرق ومبانٍ، وفشل اليخت البالغ وزنه 172 طناً في الوصول إلى النيل قبل انتهاء القمة. غادر ‏الرؤساء وبقي اليخت حبيس اليابسة، شاهداً صامتاً على بذخ لا يعرف حدوداً وعجز لا يعرف خجلاً. ولم يكن هذا اليخت الأول ولا ‏الأخير، إذ كان في الطريق يخت ثانٍ صيني الصنع وأكبر حجماً‎.‎
‏الأرقام الموثقة.. والصحافة التي لم تصمت‏
هذه الأرقام لم تأتِ من فراغ ولم تُخترع، بل وثّقتها مصادر موثوقة يعرفها الشعب السوداني جيداً‎:‎
نشرت صحيفة ‏‎)‎الميدان‎(‎‏ بتاريخ 25 مارس 2010 مقالاً استقصائياً تضمّن جدولاً تفصيلياً أعده الأستاذ حسن الجزولي يوثق الاعتداءات ‏على المال العام من واقع تقارير المراجع العام والتقارير الاستراتيجية الحكومية، إضافة إلى التقرير الاستقصائي الكبير الذي أعده ‏الزميل سعد عثمان مدني بتجميع هذه الوثائق ونشرها في منبر “سودانيز أونلاين” لتوثيق فساد الإنقاذ. ونشرت صحيفة السوداني في ‏عددها الصادر الأربعاء 28 أكتوبر 2009 تفاصيل مرعبة عن حجم النهب. وأكد الزميلان ماهر أبوجوخ وميادة صلاح من داخل ‏البرلمان نقلاً عن تقرير المراجع العام أبوبكر عبدالله مارن الأرقام ذاتها. ونشرت صحيفة الصحافة بتاريخ 28 أكتوبر 2009 التقرير، ‏وعادت إليه الصحفية سعاد الخضر بتقرير مفصّل بتاريخ 4 نوفمبر 2009. فيما نشرت صحيفة أجراس الحرية في عددها بتاريخ 28 ‏أكتوبر 2009 تعليقاً على التقرير ذاته، مؤكدةً أن هذه الأرقام الفلكية تعكس استمرارية نهج الفساد وغياب المحاسبة، وتحدثت هذه ‏المصادر مجتمعةً عن ارتفاع حجم الاعتداء على المال العام من 2.4 مليون جنيه إلى 5.4 مليون جنيه بنسبة زيادة بلغت ‏‎125%‎، وفق ‏بيانات رسمية صادرة عن ديوان المراجع العام القومي‎.‎
‏تخيّل.. فقط تخيّل‏
خمسة وعشرون مليار دولارأمريكي، تخيّل كيف كانت ستبدو مدارسنا. تخيّل شوارعنا ومستشفياتنا. تخيّل كيف كان سيكون وجه ‏الإنسان السوداني اليوم. ثم تذكّر أنهم كانوا يهتفون‎: “‎الله أكبر.. الله أكبر.. لا لديننا قد عملنا.. نحن للدين فداء‎.”‎
هذا هو السبب الذي يجعلني لا أكِل ولا أملّ من الكتابة، ليس انتقاماً، بل لأن الجيل الذي لم يرَ كيف كانت بلاده يستحق أن يعرف كيف ‏صارت إلى ما صارت إليه، ومن يتحمل وزر ذلك أمام التاريخ‎.‎

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.