أعادت الضبطية الأخيرة التي أعلن عنها جهاز المخابرات العامة في منطقة الجزيرة أبا، والتي شملت نحو 300 ألف حبة من مخدر «نيرفاكس» إلى جانب أسلحة متنوعة، تسليط الضوء على تنامي أنشطة الجريمة المنظمة في بعض مناطق البلاد، وأثارت تساؤلات واسعة حول الكيفية التي تمكنت بها هذه الكميات الكبيرة من الوصول إلى مجتمع عُرف تاريخياً بالتماسك الاجتماعي والمحافظة على القيم الرافضة للظواهر السالبة.
ورغم الإشادة بالجهود الأمنية التي أسفرت عن ضبط الشحنة، يرى مراقبون أن القضية تتجاوز حدود الضبطيات الأمنية، لتطرح أسئلة أعمق تتعلق بمصادر هذه الأنشطة والشبكات التي تقف خلفها، والظروف التي ساعدت على توسعها خلال سنوات الحرب.
تحولات فرضتها الحرب
تشير إفادات متطابقة من مواطنين ومتابعين للشأن المحلي إلى أن المنطقة لم تكن معروفة سابقاً بنشاط تجارة المخدرات، غير أن التغيرات الأمنية والاجتماعية التي صاحبت الحرب خلقت بيئة أكثر تعقيداً، استغلتها بعض شبكات التهريب والجريمة المنظمة للتوسع وبناء نفوذها.
ويعتقد عدد من المراقبين أن ضعف الرقابة في بعض المناطق واتساع دائرة حمل السلاح خارج الأطر التقليدية وفّرا فرصاً لعناصر إجرامية للتغلغل داخل المجتمعات المحلية واستغلال حالة السيولة الأمنية لتحقيق مكاسب غير مشروعة.
تحديات أمنية متزايدة
ويرى مختصون في الشأنين الأمني والاجتماعي أن مواجهة المخدرات لا تقتصر على ضبط الشحنات وملاحقة المروجين، بل تتطلب معالجة الأسباب التي سمحت بنمو هذه الأنشطة، وتعزيز الرقابة، وتطوير آليات الفحص والمتابعة، ودعم مؤسسات إنفاذ القانون لتضطلع بدورها في حماية المجتمعات المحلية.
ويؤكد هؤلاء أن نجاح أي استراتيجية لمكافحة المخدرات والجريمة المنظمة يرتبط بقدرة الدولة على تجفيف منابع التهريب ومحاسبة المتورطين، إلى جانب تعزيز الوعي المجتمعي بمخاطر هذه الآفات على الأمن والاستقرار.
معركة تتجاوز الضبطيات
ويرى مراقبون أن ضبطية الجزيرة أبا تمثل مؤشراً على حجم التحدي الذي تواجهه المؤسسات الأمنية والمجتمعات المحلية في التصدي لشبكات المخدرات والسلاح، وأن المعركة الحقيقية لا تنتهي عند مصادرة الشحنات، بل تبدأ بتفكيك الشبكات التي تقف وراءها ومنعها من إعادة إنتاج نشاطها بوسائل جديدة.
وفي ظل تزايد المخاوف من تمدد هذه الظواهر، تتصاعد الدعوات إلى تبني مقاربة شاملة تجمع بين الحسم الأمني والإصلاح المؤسسي والتوعية المجتمعية، حفاظاً على أمن المجتمعات المحلية وحماية الشباب من مخاطر المخدرات والجريمة المنظمة.
لكن الضبطية، على أهميتها، تفتح باباً لأسئلة أكبر من مجرد نجاح عملية أمنية عابرة. فكيف تمكنت مئات الآلاف من الحبوب المخدرة والأسلحة من التحرك والوصول إلى عمق ولاية النيل الأبيض قبل اكتشافها؟ وأين كانت الأجهزة المختصة طوال الفترة التي سبقت الضبط؟
ويرى مراقبون أن الاحتفاء بالضبطيات لا يكفي ما لم يصاحبه كشف شفاف للشبكات التي تدير هذه الأنشطة والمسارات التي عبرت من خلالها، ومحاسبة كل من وفر الحماية أو غض الطرف عنها. فالمعركة الحقيقية ليست في مصادرة شحنة هنا أو هناك، بل في تفكيك البنية التي سمحت للجريمة المنظمة بالتمدد خلال سنوات الحرب.
وبالنسبة لكثيرين، فإن استمرار ظهور هذه الضبطيات الضخمة يطرح تساؤلات مشروعة حول فعالية السياسات الأمنية وقدرة الأجهزة المعنية في بورتسودان على الانتقال من رد الفعل إلى منع الجريمة قبل وقوعها. فنجاح أي مؤسسة أمنية لا يُقاس فقط بعدد الشحنات التي تضبطها، بل بقدرتها على منع وصولها إلى المجتمعات من الأساس، وتجفيف منابعها، وملاحقة الشبكات التي تقف خلفها قبل أن تتحول إلى تهديد مباشر لأمن المواطنين واستقرار البلاد.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.