الدولة التي قررت أن تبيع الشمس

م. معاوية ماجد

ثمة أشياء لا يملكها أحد حتى يبيعها. والشمس واحدة منها. لكن حين تعجز الدولة عن توفير الكهرباء، ثم تفرض رسومًا على المواطن لأنه لجأ إلى الشمس، فإنها لا تبيع الطاقة، بل تبيع وهمًا أخطر من ذلك كله؛ وهم أن من حقها أن تتقاضى ثمن غيابها.
قد يبدو الأمر، للوهلة الأولى، مجرد إجراء إداري عابر، أو محاولة لتنظيم قطاع آخذ في الاتساع، لكن النظر قليلًا تحت سطح القرار يكشف أن القضية ليست في الرسوم نفسها، ولا في قيمتها، ولا حتى في الجهة التي ستقوم بتحصيلها. القضية الحقيقية تكمن في الفلسفة التي تقف خلف هذا النوع من القرارات، وفي الطريقة التي باتت تُفهم بها العلاقة بين الدولة والمواطن.
فالمواطن الذي اتجه إلى الطاقة الشمسية لم يفعل ذلك استجابة لموجة عالمية تدعو إلى الطاقة النظيفة، ولم يكن مدفوعًا بحسابات الاستثمار والعائد الاقتصادي، وإنما فعل ما فعله تحت ضغط الضرورة. لقد وجد نفسه في مواجهة واقع أصبحت فيه الكهرباء سلعة نادرة، وأصبح انقطاعها جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية، فاضطر إلى أن يبحث عن حل خارج المنظومة التي يفترض أنها وجدت أصلًا لتقديم هذه الخدمة.
باع البعض مدخراتهم، واستدان آخرون، واستنزفت أسر ما تبقى لديها من موارد حتى تتمكن من شراء الألواح والبطاريات والعاكسات الكهربائية. لم يكن ذلك ترفًا، بل محاولة لحماية الحد الأدنى من الحياة؛ ضوء يبدد عتمة الليل، ومضخة ترفع الماء إلى الخزان، وثلاجة تحفظ الدواء والطعام من التلف. كان المواطن، ببساطة، يحاول أن يسد فراغًا تركته الدولة خلفها.
وفي مثل هذه الحالات، تفهم الحكومات الرشيدة الرسالة جيدًا. فهي تدرك أن لجوء الناس إلى الحلول البديلة ليس تمردًا على مؤسساتها، وإنما استجابة طبيعية لعجز تلك المؤسسات عن أداء دورها. ولذلك تسعى إلى تشجيع هذه المبادرات، وتيسيرها، وتخفيف أعبائها، لأنها ترى فيها مساهمة مجتمعية في تجاوز الأزمة، لا فرصة لإضافة عبء جديد على كاهل من تحمل أصلًا ما لا ينبغي أن يتحمله.
أما أن يتحول هذا الجهد الفردي إلى وعاء جديد للرسوم، فذلك يكشف عن عقلية مختلفة تمامًا؛ عقلية لا تنظر إلى الأزمة باعتبارها مشكلة ينبغي حلها، وإنما باعتبارها موردًا يمكن الاستثمار فيه.
وربما يحاول البعض تبرير هذه الرسوم بالقول إن قطاع الطاقة الشمسية أصبح مدخلًا لتجارة واسعة، وإن هناك من راكموا ثروات ضخمة من استيراد معداته وبيعها خلال سنوات الحرب، وإن من حق الدولة أن تنظم هذا القطاع وأن تستوفي ما تراه من رسوم. وحتى لو افترضنا، جدلًا، صحة هذه الرواية، فإنها لا تبرر شيئًا مما يحدث اليوم، لأن السؤال يظل قائمًا: على من ينبغي أن تقع كلفة هذا التنظيم؟
إذا كانت المشكلة، فعلًا، في الأرباح التي يحققها كبار المستوردين أو التجار، فإن المنطق يقتضي أن تتجه أدوات الدولة إلى حلقات الاستيراد والتوزيع والأسواق التي تتولد فيها تلك الأرباح، لا إلى المواطن الذي اشترى منظومة شمسية ليضيء منزله بعد أن انقطعت عنه الكهرباء. فالدولة لا تعالج الاختلال الاقتصادي بتحميل المستهلك مسؤولية ما جناه التاجر، ولا تلاحق الحلقة الأضعف لأنها الأسهل وصولًا.
ثم إن هذا المواطن، في نهاية المطاف، ليس مستوردًا للطاقة الشمسية، ولا تاجرًا فيها، ولا مستثمرًا في هذا القطاع. إنه مستهلك اضطر، كلٌ بطريقته، إلى استيراد حقه في الكهرباء بعد أن عجزت الدولة عن توفيره. ومن المفارقات المؤلمة أن يصبح هذا المواطن، الذي تحمل وحده تكلفة غياب الخدمة، هو الحلقة التي يقع عليها عبء التنظيم والجباية، بينما يبقى السؤال الأكبر معلقًا: هل تعالج الدولة أصل المشكلة، أم أنها تكتفي بالبحث عن أسهل الأبواب لتحصيل الرسوم؟
ولعل ما يزيد المشهد إيلامًا أن هذا القرار لا يأتي في ظرف طبيعي، ولا في سياق دولة تنعم بالاستقرار والخدمات. إنه يأتي بعد واحدة من أكثر الفترات قسوة في تاريخ السودان الحديث؛ حرب أحرقت المدن، ودفعت الملايين إلى النزوح واللجوء، واستنزفت المدخرات، وبددت مصادر الدخل، وتركت أعدادًا هائلة من الأسر تبدأ حياتها من جديد بأقل الإمكانات الممكنة.
عاد كثيرون إلى مدنهم وأحيائهم لأن البديل كان أكثر قسوة، لا لأن الظروف أصبحت مثالية. عادوا إلى بيوت تحتاج إلى ترميم، وإلى خدمات تكاد تكون غائبة، وإلى اقتصاد يرزح تحت أعباء الحرب، ومع ذلك حاولوا أن يتأقلموا مع الواقع، وأن يصنعوا لأنفسهم هامشًا من الحياة وسط كل هذا الركام. لكن ما يبعث على الدهشة أن بعض الجهات ما زالت تتعامل مع هؤلاء الناس كما لو أنهم يعيشون في ظروف طبيعية تسمح بمزيد من الأعباء والرسوم والالتزامات.
إن السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس: كم تبلغ قيمة الرسوم؟ وإنما: ما الذي يمنح أي سلطة الحق الأخلاقي في مطالبة المواطن بمقابل مالي عن خدمة لم تقدمها له أصلًا؟
فالجباية ليست حقًا مجردًا، وإنما نتيجة لعلاقة متوازنة بين الحقوق والواجبات. والدولة لا تكتسب مشروعية التحصيل من قدرتها على إصدار القرارات، بل من قدرتها على الوفاء بالتزاماتها تجاه المجتمع. أما حين يغيب الواجب وتبقى المطالبة بالمقابل، فإن العلاقة كلها تصبح موضع تساؤل.
وليس من المبالغة القول إن أخطر ما يمكن أن تخسره الدول بعد الحروب ليس المال ولا البنية التحتية، وإنما الثقة. فالثقة هي المادة الخفية التي تجعل المواطن مستعدًا لتحمل المشاق والصبر على الأزمات، لأنها تمنحه شعورًا بأن مؤسسات بلاده تقف إلى جانبه، لا في مواجهته. وعندما يبدأ الناس في الشعور بأن كل محاولة يقومون بها لإنقاذ أنفسهم ستتحول إلى نافذة جديدة للجباية، فإن المشكلة تتجاوز القرار نفسه لتصل إلى صورة الدولة في وعي مواطنيها.

لقد كان من الممكن النظر إلى انتشار الطاقة الشمسية بوصفه قصة نجاح صغيرة وسط مشهد مثقل بالإخفاقات؛ مواطنون وجدوا وسيلة لتخفيف معاناتهم دون أن يطلبوا من الدولة أكثر مما تستطيع. لكن تحويل هذه القصة إلى فرصة جديدة للتحصيل المالي يبعث برسالة مختلفة تمامًا، مفادها أن الجهد الشخصي لا يُكافأ، وأن المبادرة الفردية لا تُشجع، وأن المواطن سيظل مطالبًا بالدفع، سواء حصل على الخدمة أم اضطر إلى توفيرها بنفسه.
وهنا تبلغ المفارقة ذروتها؛ فالدولة التي لم تستطع أن تنتج الكهرباء، وجدت نفسها منشغلة بتنظيم العلاقة بين المواطن والشمس.

وما بين العجز عن توفير الطاقة، والرغبة في تحصيل الرسوم على من بحث عنها بنفسه، يبرز سؤال أكبر من الكهرباء، وأكبر من الألواح الشمسية، وأكبر من هذا القرار كله: هل ما زالت الدولة ترى نفسها مسؤولة عن تخفيف الأعباء عن الناس، أم أنها أصبحت ترى في كل عبء يتحمله الناس فرصة جديدة لإضافة عبء آخر؟
أما الشمس، فستواصل شروقها كل صباح، لأنها لا تعترف بقرارات الحكومات، ولا بلوائح الجباية. لكن التاريخ، على العكس من ذلك، يتذكر جيدًا اللحظات التي تختلط فيها وظيفة الدولة بوظيفة الجابي، ويتذكر أكثر تلك اللحظة التي لم تجد فيها سلطة ما تبيعه لمواطنيها، فقررت أن تبيع لهم الشمس.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.