​إضراب معلمي كسلا يتواصل.. ومخاوف من “موت سريري” للعام الدراسي

تقرير ـ عين الحقيقة

​دخلت الأزمة التعليمية في ولاية كسلا نفقاً أكثر تعقيداً، عقب إعلان لجنة المعلمين بالولاية تمسكها القاطع باستمرار الإضراب الشامل عن العمل، ورفضها التام لرفع الاحتجاج استناداً إلى “وعود نظرية”، مطالبة ببدء التنفيذ الفعلي والملموس لحزمة من المطالب المالية والمهنية المعلقة.

​وجاء هذا الموقف الحاسم في أعقاب اجتماع موسع عُقد بدعوة من مدير عام التعليم بالولاية، ضم عدداً من مديري المدارس بمدينة كسلا، حيث طُرحت مسودة اتفاق مبدئي تنص على قيام وزارة المالية بصرف “البديل النقدي” وبدلات اللبس والسكن مع المرتب الحالي، إلى جانب جدولة المتأخرات المالية المتراكمة. ورغم ترحيب اللجنة بالمسودة كخطوة اعتبرتها “ثمرة لصمود المعلمين”، إلا أنها انتقدت آلية الحوار لعدم إشراك القواعد التعليمية العريضة في اتخاذ القرار.
​وشددت اللجنة على أن الاستجابة للمطالب تتخطى المستوى المحلي، وتتطلب تنسيقاً قومياً مع اللجنة المركزية وبقية لجان المعلمين بالولايات السودانية لضمان وحدة الصف. ومن المقرر أن تعقد اللجنة اجتماعاً مشتركاً اليوم مع ممثلي المحليات لتحديد الخطوات التنظيمية المقبلة بناءً على مدى جدية السلطات في تحويل التعهدات إلى واقع ملموس.
و ​يتجاوز الحراك المطلبي لمعلمي كسلا سياق الخلاف المالي المحدود، ليعكس أزمة هيكلية عميقة تضرب بنيان قطاع التعليم في السودان بفعل التدهور الاقتصادي المستمر. وتتمثل أبرز أبعاد هذه الأزمة في سحق القيمة الشرائية للرواتب الحالية، والتي باتت عاجزة تماماً عن تغطية كلفة المعيشة الأساسية للمعلم وأسرته بفعل التضخم القياسي.
​كما يتسبب غياب السياسات الموحدة من قِبل وزارة المالية الاتحادية في تفتيت الضمانات القومية، مما أدى إلى تباين صرف المستحقات بين الولايات، وهو ما يفسر تمسك اللجنة بالربط مع المسار القومي لتوحيد الهيكل الراتبي. هذا التردي المالي المستمر دفع آلاف الكفاءات والكوادر التربوية المؤهلة إلى هجرة المهنة أو مغادرة البلاد نحو قطاعات بديلة لتأمين سبل العيش، مما أفرغ المدارس الحكومية من ركائزها الأساسية.
و ​تُحذر أوساط تربوية واجتماعية من أن استمرار الشلل في المؤسسات التعليمية يمثل تهديداً مباشراً لمستقبل جيل كامل، وتتوزع الأضرار الناتجة عن تمدد الإضراب على عدة محاور خطيرة من بينها ​تراجع التحصيل الأكاديمي حيث يتسبب إغلاق الفصول في اتساع الفجوة المعرفية، وظاهرة النسيان التراكمي للمناهج، فضلاً عن خطر تجميد العام الدراسي وضياع سنوات كاملة من عمر الطلاب.
​كما يؤدي تأخر تخرج الدفعات من المدارس والجامعات إلى حرمان سوق العمل من الكوادر الشابة، مما يؤخر خطط التعافي التنموي والاقتصادي للبلاد. ​و يتنامى منسوب الإحباط واليأس بين الطلاب وأولياء الأمور على حد سواء، مما يضعف الدافعية للتعلم ويزيد من معدلات العزوف عن التعليم.
​و يفتح قفز معدلات التسرب المدرسي الباب واسعاً أمام تفشي عمالة الأطفال، ويزيد من مخاطر استغلال الشباب في أنشطة غير قانونية أو نزاعات مسلحة نتيجة الفراغ. و يرى ​مراقبون: “إن تحول المنظومة التعليمية إلى ساحة للمواجهة الاقتصادية يهدد الحاضر والمستقبل معاً. كما أن كلفة إصلاح الهيكل الراتبي للمعلمين وتوفير البيئة المستقرة لهم، تظل أقل بكثير من الكلفة الباهظة التي ستتحملها الدولة مستقبلاً جراء تفشي الأمية التراكمية والتفكك الاجتماعي الناجم عن إغلاق المدارس.
و ​تتجه الأنظار إلى ما ستسفر عنه مشاورات المعلمين الجارية؛ حيث يقف العام الدراسي في السودان أمام خيارين لا ثالث لهما: إما تقديم الحكومة لضمانات تنفيذية فورية تنزع فتيل الأزمة وتُعيد الطلاب إلى الفصول، أو الانزلاق نحو “موت سريري” كامل للموسم الدراسي الحالي يصعب تدارك تداعياته الكارثية.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.