هل محمد عثمان “كبر” حقاً كبر؟

حسن عبد الرضي

كنتُ أعتزم منذ أيام أن أكتب مقالاً بهذا العنوان، بعد التصريحات التي نُسبت إلى القيادي بحزب المؤتمر الوطني “المنبوذ”، محمد عثمان كبر، لأنني ظننت للحظة أن الرجل ربما قرر أن يغادر مربع المكابرة، وأن يواجه الحقيقة كما هي، لا كما تريدها ماكينة الدعاية الإسلامية. لكنني سرعان ما أدركت أن المشكلة ليست في الأشخاص وحدهم، بل في الفكرة التي لا تزال تأبى الاعتراف بأخطائها، حتى بعد أن دفعت البلاد أثماناً باهظة من الدماء والخراب.
وفي هذا السياق، طالعت ملخص ما كتبه الصحفي عثمان ميرغني (الكوز المتردد) في مقاله الذي دعا فيه الحركة الإسلامية إلى حل نفسها والتوبة من مشروعها السياسي. فمهما اختلف الناس معه في تفاصيل أخرى، فإن دعوته هذه تلامس جوهر الأزمة السودانية: لا يمكن لمن أصرّ على احتكار الدولة والدين والسلطة أن يقود السودان إلى المستقبل، فـ”ام جركم ما بتاكل خريفين”.
إن أخطر ما في تجربة الإسلام السياسي في السودان ليس فقط انقلاب الثلاثين من يونيو، ولا بضع وثلاثين عاماً من الاستبداد والفساد، وإنما الإصرار المستمر على عدم الاعتراف بالمسؤولية. فبعد سقوط النظام، كان المتوقع أن يجلس قادته مع أنفسهم جلسة مراجعة صادقة، وأن يعتذروا للشعب السوداني، وأن يعلنوا خروجهم من العمل السياسي المنظم باسم الدين، لكن الذي حدث كان العكس تماماً؛ مزيداً من المكابرة، ومزيداً من الإنكار، ومزيداً من السعي لاستعادة السلطة مهما كان الثمن، حتى استيقن الشعب السوداني زبدة قول الاستاذ في ما معناه (كلما أسأت الظن في هذه الجماعة تجد أنك قد أحسنت فيهم الظن لإنهم يفوقون سوء الظن العريض)، خاصة، إذا صحت التصريحات المنسوبة إلى محمد عثمان كبر بأن الحرب كانت وسيلة للقضاء على ثورة ديسمبر وقوى الحرية والتغيير حتى يعود الإسلاميون إلى السلطة، فإنها ليست مجرد اعتراف سياسي، بل إقرار خطير بأن الوطن نفسه تحول إلى وسيلة في سبيل السلطة. وهنا تصبح القضية أكبر من خلاف سياسي؛ إنها قضية أخلاقية ووطنية تتعلق بقيمة الإنسان السوداني وحقه في الحياة والأمن والسلام.
لقد أثبتت التجربة أن السلطة التي تُطلب باسم الدين كثيراً ما تنتهي إلى تقديس الحاكم بدلاً من خدمة الإنسان، وإلى حماية التنظيم بدلاً من حماية الوطن. ولذلك فإن الأزمة ليست أزمة أفراد، بل أزمة مشروع كامل جعل التنظيم فوق الدولة، والولاء الحزبي فوق المواطنة، والبقاء في الحكم فوق دماء الأبرياء.
إن السودان اليوم لا يحتاج إلى مزيد من المراوغة، ولا إلى إعادة تدوير الوجوه القديمة، بل يحتاج إلى شجاعة الاعتراف. الاعتراف بأن انقلاب ١٩٨٩ كان خطأً تاريخياً، وأن مصادرة الديمقراطية كانت جريمة في حق الوطن، وأن قمع الثورات الشعبية لم يحمِ السودان بل مزقه، وأن أي مشروع سياسي يبرر العنف من أجل البقاء في السلطة هو مشروع فقد شرعيته الأخلاقية.
ولهذا تبدو دعوة عثمان ميرغني للحركة الإسلامية بأن تحل نفسها دعوة تستحق النقاش الجاد، لا لأنها انتقام من أحد ضد “شلته”، بل لأنها دعوة إلى فتح صفحة جديدة تقوم على السياسة المدنية، والتنافس الديمقراطي، واحترام إرادة الشعب، بعيداً عن التنظيمات العقائدية التي أثبتت التجربة أنها تُقدِّم بقاءها على بقاء الوطن.
إن التوبة السياسية ليست كلمة تُقال، وإنما موقف تُترجم آثاره بالاعتراف، والاعتذار، والتخلي عن أدوات الهيمنة، واحترام حق السودانيين في اختيار من يحكمهم بحرية. أما الاستمرار في المكابرة، والحديث عن المؤامرات، ورفض مراجعة التجربة، فلن يصنع إلا مزيداً من العزلة والانقسام ويرسخ مشروعية (عدا المؤتمر الوطني).
لقد دفع السودان ثمناً لا يحتمله وطن. وحان الوقت لأن يدرك كل من تشبث بالسلطة أن الأوطان لا تُبنى بالغلبة، ولا تُحكم بالشعارات، ولا تُحمى بالحروب، وإنما تُبنى بالحرية، والعدالة، والسلام، واحترام الإنسان.
إن أعظم توبة يمكن أن يقدمها دعاة الإسلام السياسي للشعب السوداني ليست إصدار بيان جديد، ولا تغيير اسم التنظيم، بل مغادرة عقلية احتكار الحقيقة والسلطة إلى الأبد، والإيمان بأن السودان أكبر من أي جماعة، وأقدس من أي تنظيم، وأبقى من أي مشروع سياسي. فهل محمد عثمان يوسف “كبر”؟!..

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.