الحرب التي أفقرَت السودان

 تيسير المبارك

 

لا تُقاس الحروب بعدد المعارك التي تُخاض، ولا بعدد المدن التي تتبدل السيطرة عليها، وإنما تُقاس بحجم الخراب الذي تتركه في حياة الناس. وفي السودان، لم تعد الحرب مجرد مواجهة عسكرية، بل تحولت إلى أزمة اقتصادية شاملة، دفعت ملايين المواطنين إلى حافة الفقر، وأعادت البلاد سنوات طويلة إلى الوراء.

اليوم، لم يعد المواطن السوداني يسأل عن مؤشرات النمو أو حجم الاحتياطي النقدي، بل عن كيفية توفير وجبة اليوم، وثمن الدواء، وإيجار المنزل، ورسوم الدراسة، وتكلفة المواصلات. أصبحت الحياة اليومية معركة أخرى يخوضها المواطن، لكنها معركة ضد الغلاء، وانعدام الدخل، وتراجع الخدمات.

لقد أصابت الحرب شرايين الاقتصاد في مقتل. توقفت آلاف المصانع وورش الإنتاج، وتعطلت حركة التجارة الداخلية والخارجية، وتضررت البنية التحتية، وخرجت مؤسسات مالية وخدمية عن العمل. كما فقد عشرات الآلاف وظائفهم ومصادر دخلهم، بينما اضطر آخرون إلى النزوح، تاركين وراءهم أعمالهم وممتلكاتهم.

ولم يكن القطاع الزراعي، الذي يمثل مصدر رزق لملايين السودانيين، بمنأى عن هذه التداعيات. فقد أثرت الحرب على الإنتاج الزراعي وسلاسل الإمداد، ورفعت تكاليف النقل والتخزين، الأمر الذي انعكس على أسعار السلع الأساسية، وزاد من معاناة الأسر محدودة الدخل.

أما الأسواق، فقد أصبحت مرآة للأزمة. فالأسعار تواصل الارتفاع، والقدرة الشرائية تتراجع، والعملة الوطنية تواجه ضغوطًا مستمرة، بينما يجد المواطن نفسه عاجزًا عن مواكبة الزيادة اليومية في تكاليف المعيشة.

وما يزيد من خطورة المشهد أن آثار الحرب لم تعد تقتصر على الاقتصاد فحسب، بل امتدت إلى التعليم والصحة والخدمات العامة. مدارس أغلقت أبوابها، ومستشفيات تعمل بإمكانات محدودة، وشبكات الكهرباء والمياه تواجه تحديات كبيرة في مناطق عديدة، مما يضاعف الأعباء على المواطنين.

وفي خضم هذه الأزمة، تبدو الفئات الأكثر هشاشة هي الأكثر تضررًا. الأسر النازحة، والعمال بالأجر اليومي، وصغار التجار، والمزارعون، جميعهم يدفعون الثمن الأكبر لصراع لم يكونوا طرفًا فيه. ومع تراجع فرص العمل وارتفاع معدلات البطالة، أصبحت المساعدات الإنسانية تمثل شريان حياة لكثير من الأسر.

إن استمرار الحرب يعني استمرار نزيف الاقتصاد. فكل يوم يمر دون تسوية سياسية يضيف خسائر جديدة، ويقلص فرص التعافي، ويزيد تكلفة إعادة الإعمار مستقبلاً. فالاقتصاد لا يزدهر في ظل المدافع، والاستثمار لا يأتي إلى بيئة يسودها عدم الاستقرار، والتنمية لا يمكن أن تتحقق في ظل النزوح والدمار.

ولذلك، فإن الحديث عن مستقبل السودان لا يمكن فصله عن الحديث عن إنهاء الحرب. فإعادة بناء الاقتصاد تبدأ بإعادة بناء السلام، واستعادة الثقة، وتهيئة بيئة آمنة تسمح بعودة الإنتاج، وفتح الأسواق، وتشجيع الاستثمار، وإعادة إعمار ما دمره النزاع.

لقد أثبتت تجارب الدول أن الحروب قد تنتهي باتفاق سياسي، لكن آثارها الاقتصادية قد تمتد لسنوات طويلة إذا لم تُعالج بسياسات جادة ورؤية وطنية شاملة. والسودان اليوم بحاجة إلى مشروع اقتصادي يعيد الأمل للمواطن، ويضع الإنسان في قلب عملية التعافي، بعيدًا عن الاستقطاب والصراع.

في نهاية المطاف، يبقى المواطن السوداني هو الخاسر الأكبر من استمرار الحرب. فهو من يدفع ثمن الغلاء، ويعيش مرارة النزوح، ويواجه انعدام الخدمات، بينما يتطلع إلى اليوم الذي يعود فيه السلام، لا بوصفه شعارًا سياسيًا، بل ضرورة لإنقاذ الاقتصاد وحماية حياة الناس واستعادة مستقبل وطن أنهكته الحرب.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.