دخل حراك المعلمين السودانيين خلال الأسبوع المنصرم مرحلة جديدة بعد أن انتقل من الإضراب والاحتجاج المباشر إلى مساحة أوسع من الضغط النقابي والإعلامي في وقت تتزايد فيه الضغوط الاقتصادية على العاملين في قطاع التعليم وتتسع قائمة الملفات العالقة بين المعلمين والجهات الحكومية.
وكانت ولاية الجزيرة في قلب هذا الحراكةبعدما أعلنت لجنة المعلمين تعليق الإضراب في خطوة بدت أقرب إلى هدنة محسوبة منها إلى تراجع عن المطالب. فاللجنة أكدت أن قرار التعليق جاء مراعاة لمصلحة الطلاب وأولياء الأمور لكنها في الوقت ذاته شددت على أن القضية لم تعلق وأن مطالب المعلمين ستظل قائمة مع مواصلة متابعة ملف النقل الذي وصفته بالتعسفي والدفاع عن المتضررين من الإجراءات الإدارية.
وتكشف هذه المعادلة عن طبيعة المرحلة المقبلة إذ باتت الكرة في ملعب السلطات التنفيذية التي تواجه اختبار عملي في مدى قدرتها على تحويل الوعود والتوجيهات إلى إجراءات ملموسة. فالمعلمون، وفقاً لخطاب لجنتهم، لم يعودوا ينظرون إلى البيانات الرسمية باعتبارها كافية، وإنما يترقبون التنفيذ الفعلي لصرف المتأخرات وتحسين الأجور ومعالجة الاختلالات التي أصابت أوضاعهم المعيشية.
وفي الخرطوم أعادت اللجنة فتح ملف الرسوم المفروضة على الطلاب مطالبة بوقف ما وصفته بالجبايات وفتح تحقيقات حول الأموال المحصلة من الأسر. ويشير هذا التصعيد إلى أن الحراك لم يعد محصور في المطالب الوظيفية بل يتجه إلى مساءلة أوسع بشأن إدارة العملية التعليمية وتمويلها خصوصاً في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تواجهها الأسر السودانية.
وحمل ذات الأسبوع موقف واضح من توجيهات بصرف متأخرات لمعلمي ولاية الخرطوم وزيادة استحقاقات المشاركين في أعمال كنترول الشهادة الثانوية إذ رحبت اللجنة بالخطوة من حيث المبدأ لكنها شددت على أن معيار الحكم سيكون التنفيذ الكامل في ظل تجارب سابقة تقول إن بعض القرارات لم تنفذ بصورة كاملة.
ويستند الحراك الحالي كذلك إلى ذاكرة إضراب 2023م حين تمكن المعلمون بحسب روايتهم من نقل ملفهم إلى مستويات عليا وتحقيق عدد من المكاسب قبل أن تقطع الحرب مسار التفاوض. ويبدو استحضار تلك التجربة محاولة للتأكيد على أن الضغط النقابي المنظم قادر على فرض المطالب، لكنه في الوقت ذاته يذكّر بأن النتائج تحتاج إلى مسار تفاوضي مستمر وإرادة تنفيذية.
وبينما تبدو الأيام المقبلة مفتوحة على أكثر من احتمال، فإن المؤشرات الحالية تضع الحراك أمام اختبار حاسم. فإذا تحولت التوجيهات إلى مستحقات فعلية وبدأت معالجة ملفات الأجور والنقل والرسوم، فقد تمضي الهدنة نحو تهدئة تدريجية. أما إذا استمر التأخير أو عادت الإجراءات الإدارية إلى الواجهة، فقد يجد المعلمون أنفسهم أمام خيارات تصعيدية جديدة، ربما بأدوات تتجاوز الإضراب التقليدي.
وعليه فإن تعليق الإضراب في الجزيرة لا يبدو نهاية للحراك بل إعادة تموضع في معركة طويلة على الحقوق. وما ستسفر عنه الأيام القادمة لن تحدده البيانات وحدها وإنما قدرة الحكومة على تقديم إجابات عملية عن الأسئلة التي رفعها المعلمون، وقدرة اللجنة في المقابل على الحفاظ على وحدة صفها وإدارة المرحلة الجديدة من الضغط النقابي.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.