انفجار صامت» في معسكر (كرياندنغو) بأوغندا كيف قاد نقص وسائل تنظيم الأسرة إلى ارتفاع الولادات بين اللاجئات السودانيات..؟
متابعات: عين الحقيقة تحقيق: (The United Group)
في كوخها الصغير داخل معسكر كرياندنغو للاجئين في أوغندا، تجلس “أمينة” (اسم مستعار)، وهي أم سودانية في أواخر الثلاثينات من عمرها، تراقب أطفالها الثلاثة وهم يتقاسمون وجبة متواضعة بالكاد تكفيهم. قبل الحرب في العام 2023 كانت تعيش مع أسرتها في مدينة ود مدني، تحاول ترتيب حياتها وسط ظروف اقتصادية صعبة، لكنها كانت قادرة على التخطيط لمستقبل أسرتها والتحكم في عدد أفرادها. غير أن الحرب قلبت كل شيء رأساً على عقب، فبعد أشهر من القصف والخوف ونقص الغذاء، وجدت نفسها مضطرة إلى الفرار مع زوجها وأطفالها نحو المجهول..
تقول أمينة بصوت خافت وهي تضع يدها تتحسسّ بطنها المنتفخ: “كنت أستخدم شريحة لتنظيم الأسرة بشكل منتظم في السودان، لكنها تلفت خلال رحلة اللجوء الطويلة”. وبعد وصولها إلى المعسكر، سارعت إلى البحث عن بديل، أملاً في تجنب حمل جديد وسط ظروف النزوح القاسية، لكنها اصطدمت بواقع مختلف. لم تكن وسائل تنظيم الأسرة متوفرة في مستشفى (باندولي) الذي يخدم آلاف اللاجئين، فيما بدت المستشفيات الخاصة خياراً بعيد المنال لأسرة تكافح من أجل توفير الطعام اليومي. “ومع غياب الخدمة الصحية، حاولت الاعتماد على طريقة التنظيم الطبيعية، لكن خطأ بسيطاً في حساب الأيام كان كافياً لأجد نفسي حاملاً للمرة الرابعة” تقول أمينة.

لاجئة: خطأ بسيطاً في حساب الأيام كان كافياً لأجد نفسي حاملاً للمرة الرابعة” وأنا بالمعسكر..
أمينة واحدة من مئات اللاجئات السودانيات اللواتي يجدن صعوبة في الحصول على موانع الحمل، فمن خلال إعداد هذا التحقيق، تحدثنا مع ثلاثين لاجئة سودانية داخل المعسكر، أشرن جميعهن لصعوبة في الوصول إلى وسائل منع الحمل، داخل أسوار (باندولي) المدعوم من المنظمات الطبيّة العاملة في أوغندا. كما أشارت المصادر إلى تراجع واضح في حملات التوعية بالصحة الإنجابية التي كانت تنظمها منظمات إنسانية في السابق، حيث تحصل 3 نساء من أصل 10 على موانع الحمل المتمثلة في حبوب التنظيم حسب الإستطلاع الذي اجراه فريق التحقيق
أمومة وسط الجوع والنزوح
(سلوى) من النساء اللواتي قابلناهن، اسم مُستعار، وعمرها 23 عاماً وهي تشارك أمينة قلقها من الحمل، وتجربتها في الحصول علي موانع للحمل وفشلها في ذلك بسبب الوضع الإقتصادي الذي تعيشه، وتقول “في كل مرة كنتُ أكتشف أنني حامل، أشعر بالخوف أكثر من الفرح “. عندما اندلعت الحرب في السودان صبيحة الخامس عشر من أبريل العام ٢٠٢٣م، خرجت سلوى من قريتها بشمال دارفور تحمل طفلها ذو العامين، وزوجها يسحب خلفه طفلين (٤ – ٥ ) أعوام، ويحمل على ظهره بعض الثياب التي نجت من الحريق ورائحة الدخان. سارت (سلوى) وأسرتها أياماً طويلة بين الطرق الترابية ونقاط التفتيش ، إلى أن استقر بهم المقام في معسكر (كرياندنغو) في أوغندا في بداية العام 2024. مفوضية اللاجئين منحتهم بعض الأخشاب، المشمعات وأواني الطبخ، بنى زوجها كوخاً صغيراً بالكاد يحجب المطر والبرد، يتكومون ليلا للحصول على بعض الدفء، ونهاراً يتقاسمون وجبة واحدة، ومساء بضع أكواب من الـ(بورج) ـ مديدة من دقيق الذرة الشامية او الدخن – تبقيهم أحياء حتى صباح اليوم التالي.
“بقي زوجي يبحث عن عمل دون جدوى، خلال عامين من وجودنا في المعسكر أنجبت طفلين، ويالها من معاناة لم اسع لها بقدر مجاهددتي لما يمنعها و أكثر ما يؤلمني ليس تعب الولادة ولا ضيق الكوخ، بل نظرات أطفالي اليائسة وهم ينتظرون بعض الطعام.”. وترقرقت عيناها وصمتت عاجزة كذلك وضع علوية، وهي امرأة ثلاثينية وأم لسبعة اطفال وتنتظر مولوها الثامن، تقول أم الحسن ” لا استخدم وسائل التنظيم وتوقفت عن استخدامها بعد وصولي للمعسكر في العام 2024، لصعوبة الحصول عليها حيث كنت أدوام على المستشفى بشكل يومي لمدة أسبوع ولم أتمكن من الحصول عليها”.
ترّكز ما يقارب 85% من اللاجئين السودانيين المسجلين في أوغندا يتركزون في المعسكر، بينهم أكثر من 20 ألف إمرأة في سن الأنجاب.
ولادات غير مُخطط لها وزيادات خارجة عن السيطرة
كشف استبيان ميداني أُجراه فريق التحقيق مع اللاجئات السودانيات في مخيم (كيرياندونغو) للاجئين بأوغندا، أن 85% من النساء الحوامل لم يكن يخططن للحمل، وأنهنّ حاولن الحصول على موانع الحمل لكنهنّ فشلنّ بسبب عدم توفرها بالمستشفى، مقابل 15% نساء فقط أشرن إلى أن الحمل جاء وفق تخطيط مسبق. وشاركت في الاستبيان شمل 100 لاجئة سودانية 40٪ منهن بين 35 و44 عاماً و34٪ بين 25 و34 عاماً، وبلغت نسبة المتزوجات بينهن 78% والحوامل خلال إجراء الاستبيان كن 46٪. وبحسب الاستطلاع الذي أجراه فريق التحقيق فأن 10% فقط تحصلن على موانع للحمل بعد انتظار أسبوع وتردد يومي على المستشفى، حيث كنّ ينتظرن أسابيع أو أشهراً للحصول على الوسائل التي اعتدن استخدامها، فيما اضطرت أخريات للتوقف نهائياً عن تنظيم الأسرة، بسبب بُعد مسافة المستشفى من مناطق سكنهنّ. وتؤكده نور الهدى عبد العزيز عبد الله أمينة مكتب المرأة بالمكتب القيادي لمعسكر (كرياندنقو) هذه النسبة: إذ تشير إلى أن 10٪ فقط من المنتظرات اللائي يقدرن بأكثر من 100 في اليوم يحصلن على أي من وسائل تنظيم الأسرة.

قيادي بإدارة المعسكر – فضل حجب اسمه – أشار إلى أوغندا شهدت خلال عام 2024 تدفقات كبيرة من اللاجئين السودانيين نتيجة استمرار وتوسع رقعة النزاع في السودان، موضحاً أن عدد اللاجئين السودانيين الجدد الذين تم تسجيلهم في البلاد حتى نهاية العام2024 بلغ نحو 19688 لاجئا، عدد الأسر 6563 أسرة، وذلك التقارير الصادرة من مكتب الـ(OPM) و أضاف المصدر أن الأسر السودانية في المعسكر استقرت نسبياً خلال عام 2025، واستمرت في ممارسة حياتها الطبيعية. وأيضا ذكرت تقارير الـ(OPM) ترّكز ما يقارب 85% من اللاجئين السودانيين المسجلين في أوغندا يتركزون في المعسكر، بينهم أكثر من 20 ألف إمرأة في سن الأنجاب.
ويشير المصدر إلى أن عدد المواليد الجدد خلال العام 2025 ازداد بمقدار 1,500 طفل تقريباً، حسب البيانات التي تم تجميعها من مستشفى (باندولي) والمراكز الصحية الخاصة.(ارفاق المصادر الخاصة الجديدة ) ويمضي القيادي: أن معسكر (كيرياندونغو) ظلّ الوجهة الرئيسية لاستقبال الفارين من النزاع، حيث استقبل النسبة الأكبر من الوافدين الجدد، ليرتفع إجمالي عدد اللاجئين السودانيين المقيمين فيه، بمن فيهم اللاجئون الذين كانوا موجودين قبل اندلاع الأزمة الأخيرة،إلى قرابة 20 ألف شخص، 60% منهم نساء، وحدثت زيادة كبيرة خلال العام السابق 2025 في عدد المواليد، بالرغم من أننا قمنا بالتوعية فيما يخص تنظيم الأسرة والتوعية بضرورة استخدام الموانع، لكن المجتمعات السودانية لديها حساسية مُفرطة تجاه التنظيم.
صيدلاني: نحصل على الأدوية والمستلزمات الطبية من شركات أدوية معتمدة، وفي بعض الأحيان نقوم بالشراء من أفراد خاصة فيما يتعلق بموانع الحمل، بأسعار أقل.”
داخل مستشفى باندولي.. طوابير طويلة وموانع مفقودة
يُعتبر مركز صحي (باندولي) (Bandoli Health Centre) الجهة الصحية الحكومية الوحيدة بالمعسكر، وهو يقدم خدمات الرعاية الصحية الإنجابية وخدمات الولادة للاجئات والمجتمع المضيف، بما في ذلك خدمات تنظيم الأسرة. ويوفّر المركز هذه الخدمات بصورة مجانية بحسب توفرها من وزارة الصحة الأوغندية والشركاء. مدخله المتواضع وبناياته المنتشرة أفقيا لا تشير إلى كونه مركز صحي تمت ترقية للمستوي المستوى الرابع (Health Centre IVوهو أعلي مستوي للمراكز الصحية في أغندا، هذا ما أكدته اللافتة خارجه حيث يقع عليه تقديم خدمات اوسع ومتخصصة مثال العيادات الخارجية ، رعاية الامومة والولادة ، أيضا بعض العمليات الجراحية ، وهو نظام يختلف عن الموجود في السودان، لذا يطلق عليه اللاجئون المستفيدون من خدماته اسم مستشفى بندولي.
يخدم بندولي جميع السكان من اللاجئين والمجتمع المضيف، حيث يصل عدد المترددين عليه إلى 500 شخص في اليوم، أحيانًا يكون هنالك طبيب واحد، مما يؤدي لازدحام وانتظار طويل بحسب أ.نور الهدى عبد العزيز عبد الله أمينة مكتب المرأة بالمكتب القيادي لمعسكر (كرياندنقو).
عند زيارتنا للمركز وجدنا عشرات الحوامل من السودانيات وجنوب السودانيات، يجلسن على مقاعد خشبية وأخرى أسمنتية، بعضهن يحملن أطفالاً، بينما أخريات يخفين بطوناً متقدمة ، وفي كل مكان تتوزع لافتات التوعية بالصحة الإنجابية وضرورة تنظيم الولادات، والارشادات الخاصة بموانع الحمل وكيفية استخدامها.
توجهنا لمستودع الأدوية وسألنا الموظفة عن توفر أدوات تنظيم الأسرة، أعتذرت عن عدم توفرها في الوقت الحالي، وأشارت لصيدلية في مواجهتها تماما، تكرر ذات الرد، والاعتذار بأن صيدلية المركز توفر فقط الأدوية الخاصة بحالات الولادة، ونصحتنا الموظفة بالذهاب الصيدلية الثالثة( وهي خاصة) بالقرب من عيادات الأطباء، وتكرر الاعتذار للمرة الثالثة، حيث أضافت الصيدلانية أن هنالك نقص حاد في موانع الحمل.
لكن هذه الإجابات تغيّرت عندما سألنا الصيدليات الخاصة المنتشرة حول المركز الصحي (باندولي) حيث يتوفر (الواقي الذكري) بكميات كبيرة، أضافة لوسائل منع الحمل الأخرى الخاصة بالنساء، فهل يتم تسريب الأدوية من المركز الصحي للأسواق، بدلاً عن توزيعها مجانا؟
الصيدلاني (م.ق) الذي يملك صيدلية خاصة في تلك المنطقة قال لنا: “نحصل على الأدوية والمستلزمات الطبية من شركات أدوية معتمدة، وفي بعض الأحيان نقوم بالشراء من أفراد خاصة فيما يتعلق بموانع الحمل، بأسعار أقل.”
وتضيف الصيدلانية (م .ن) التي تعمل بصيدلية خاصة على بُعد 200 متر من المستشفى منذ العام 2024 ” يوجد نقص حاد ومستمر في وسائل تنظيم الأسرة بكافة أنواعها، جميع انواع حبوب منع الحمل، اللولب الرحمي، الحقن المانعة للحمل، والواقي الذكري والأنثوي. لم ترد إلى الصيدلية أي شحنات من هذه الوسائل عبر الموردين المعتمدين من وزارة الصحة الأوغندية والمنظمات الشريكة”.
مشيرة إلى أن القليل من النساء يطلبن هذه الوسائل، بسبب ارتفاع الاسعار وتدني القدرة الشرائية. وكذلك توضخ إحدى المسؤولات في قسم الولادة بمركز ( بندولي) – فضّلت حجب اسمها – إلى أنها لاحظت خلال فترة عملها من 2024 الى 2025 أن وسائل تنظيم الأسرة كانت متوفرة بقسم الولادة بالمستشفى، “لكن لم يتقدم عدد يُذكر من اللاجئات السودانيات المقيمات بالمعسكر بطلب الحصول على مواد تنظيم الأسرة خلال الفترة المذكورة، وعند مناقشتهن أبدين عدم استعدادهن لاستخدام موانع الحمل لاعتبارات دينية واجتماعية” بحسب قولها، وأستدركت: “لكن في السنة الأخيرة زاد الطلب من اللاجئات للحصول على موانع الحمل، لكن حدث نقص كبير في وصولها للمركز، بعد توقف الدعم لعدد من المنظمات، ولا تتوفر حاليا كما كان في السابق، فالآن تراجع توفير الموانع لأقل من 30%..
باحث اجتماعي: بعض المجتمعات السودانية، لا تزال تُفسر مسألة تنظيم الأسرة على أنها دعوة لتقليل النسل أو التدخل في الإرادة الإلهية
العادات..ضد التنظيم
أشار أكثر من ثلاث مصادر عاملين/ات في المجال الصحّي إلى دور العوامل الاجتماعية والثقافية والدينية في عزوف الكثير من السودانيات عن استخدام موانع الحمل، إذ تنظر بعض الأسر إلى تنظيم الأسرة باعتباره أمراً غير مقبول أو مخالفاً للمعتقدات السائدة.
ويرى الباحث الاجتماعي المتخصص في قضايا اللجوء والتنمية المجتمعية فيصل محمد والمتواجد داخل معسكر (كرياندنغو) أن بعض المجتمعات السودانية، لا تزال تُفسر مسألة تنظيم الأسرة على أنها دعوة لتقليل النسل أو التدخل في الإرادة الإلهية، “رغم أن كثيراً من المؤسسات الدينية والفقهية تؤكد جواز تنظيم الأسرة لتحقيق مصلحة الأسرة والأم والطفل. كما أن هناك اعتقاداً سائداً لدى بعض الأسر بأن كثرة الأبناء تمثل مصدر قوة اجتماعية واقتصادية، وهو ما يجعل بعض النساء يترددن في استخدام وسائل منع الحمل أو طلب المشورة المتعلقة بالصحة الإنجابية.” بحسب قوله.
توافقه فاطمة ، التي تزوجت وهي أبنة 16 عاماً وتقول ” المرأة عندما تتزوج ليس لديها خيار سوى أن تنجب الكثير من الأبناء، أنا لا أعرف شيئا عن الصحة الأنجابية وتنظيم الأسرة، والتحكم في الحمل أو اعتراضه (عيب كبير)”.
بعد أن استقرّت فاطمة في المعسكر نصحتها جارتها لمقابلة طبيب النساء والتوليد، للحصول على وسائل للتنظيم، فذهبت دون إعلام زوجها بذلك، عن ذلك تروي ” كان المركز مكتظ جداً بالنساء تم تسجيلي رقم (٨٥) انتهى اليوم ولم اقابل الطبيب بالرغم من حضوري المبكر، في اليوم التالي قبل خروجي أخبرت زوجي برغبتي في تنظيم الولادة بسبب الظروف التي نعيشها في المعسكر، هاج وقتها وأوشك أن يضربني، وأتهمني بالكفر وعدم الإيمان بالله”.

ويتوافق هذا مع تجربة د.سامي محمود استشاري امراض النساء والتوليد الذي عمل في أوغندا بالمعسكر قبل عامين، يروي لنا “احضرنا معنا معدات تنظيم الأسرة مجانية منهم عدد 100 لولب، وقمنا بمراجعة حوالي اكثر من 400 مرأة سودانية، ولاحظت ان معظم المراجعات من الامهات في العيادة جئنّ من أجل مزيد من الانجاب”.
ويؤكد الدكتور سامي أن ” الوعي بقضايا تنظيم الأسرة في السودان ضعيف وهناك ضغط اجتماعي في زيادة عدد الأطفال باي طريقة وهناك أيضا تفكك اجتماعي مع ظروف الحرب قد يجعل الزوج يرغب في زوجة اخرى اذا لم تواصل الاولي الانجاب”.
من جهته يرى عبد الرحمن أن معالجة هذه القضية تتطلب الجمع بين التوعية المجتمعية والحوار مع القيادات الدينية والمجتمعية، بدلاً من الاكتفاء بتوفير وسائل تنظيم الأسرة فقط. مشيرا إلى أن “النجاح الحقيقي لا يتحقق بمجرد توفير الوسائل الطبية، وإنما عبر بناء الثقة مع المجتمع، وتصحيح المفاهيم الخاطئة، وإشراك الرجال والقيادات الدينية في حملات التوعية، حتى تُفهم الصحة الإنجابية باعتبارها جزءاً من حماية الأسرة وصحة الأم والطفل، وليس باعتبارها قضية تتعارض مع القيم الدينية أو الثقافية.”
من «التنظيم مقابل الغذاء» إلى اختفاء حملات التوعية
أشارت ثلاثين لاجئة استطلع فريق التحقيق آراءهن إلى أن إحدى المنظمات طبقت في العام الأول 2024 شعار “التنظيم مقابل الغذاء” كجزء من حملة لتنظيم الأسرة، حيث تنتظم الفتيات في طابور (التنظيم) قبل استلام السلة التي تحتوي على المواد الغذائية، ويتم منحهنّ حبوب التنظيم وتركيب (شرائح). لم تجد هذه الخطوة قبولا من المجتمعات السودانية، وأعتبرها البعض دعوة لممارسة الجنس، وتدخلت إدارات أهلية ورجال دين وتم ايقاف العمل، منذ ذلك الوقت أختفت المنظمة، وتراجعت برامج التوعية بالصحة الإنجابية بشكل عام.
وتؤكد مني، وهي لاجئة تبلغ من العمر 34 عاماً بأن الفرق الصحية كانت تأتي للمعسكر في بداية العام 2024 “و تشرح لنا الخيارات المتاحة، وتوزع بعض الوسائل، لكن الآن تمر شهور دون أي نشاط” بحسب قولها.
وعن موضوع الحملات يقول اختصاصي طب المجتمع د.عبد الرحمن ” أوضاع اللجوء أدت لفقدان العديد من الأسر لمصادر التوعية التقليدية، و لم تنجح بعض البرامج الإنسانية في تقديم رسائل توعوية تراعي الخصوصية الثقافية والدينية للمجتمع السوداني”.
وينوه أختصاصي النساء والتوليد د. هيثم محمد لأهمية تفعيل هذه الحملات منوهاً إلى أن” إنجاب أطفال في معسكرات اللجوء أزمة كبيرة تحتاج لتدخل عاجل..” ويتفق مع الدكتور عبد الرحمن في أهمية إشراك رجال الدين في الحملات لتأثيرهم القوي في المجتمعات اللاجئة.
قابلة: معظم النساء هنا يعانين أصلاً من سوء التغذية والضغط النفسي والفقر، أحياناً لا نجد العدد الكافي من الفيتامينات أو المكملات الغذائية، وبعض النساء يصلن إلى مراحل متقدمة من الحمل دون متابعة طبية منتظمة”.
السودانيات يدفعن الثمن
الولادات المُتكررة ليست عبئاً اقتصادياً وتحدياً اجتماعياً فقط، وإنما ترتبط بمخاطر صحية خطيرة، وخاصة للسودانيات المختونات.
تقول نازك “حالات الختان التي تعرضنا لها في مجتمعاتنا تسببت في معاناتنا وحوجتنا لتدخل من القابلة السودانية أو طبيب، القابلة الأوغندية هنا تقول من المفترض أن يأتي الجنين لوحده دون تدخل وهذا يشكل خطرا كبيرا على حياة الأم، هناك معاناة بالنسبة للضغط هنا في المستشفي الانتظار لساعات طويلة”.
بسبب هذا إضافة لأسباب أخرى، ولّدت القابلة السودانية اللاجئة بمعسكر (كرياندنغو) “م.ع” القابلة 40 لاجئة سودانية داخل منازلهنّ بشكل سري بعد تعسر ولادتهنّ وصعوبة الوصول للمركز، وأحياناً تفعل ذلك مجانا لمعرفتها بالظروف التي تعيشها الأسر السودانية، بالرغم من أن ما تقوم به يعتبر جريمة حسب القانون الأوغندي. وتضيف القابلة التي تعمل متطوعة داخل أحد المراكز الصحية: أن “معظم النساء هنا يعانين أصلاً من سوء التغذية والضغط النفسي والفقر، أحياناً لا نجد العدد الكافي من الفيتامينات أو المكملات الغذائية، وبعض النساء يصلن إلى مراحل متقدمة من الحمل دون متابعة طبية منتظمة”.
توافقها القابلة عواطف بحر التي تسكن معسكر (كرياندنغو) منذ 2023 وتقول “العشرات من النساء لا يذهبن للمتابعة بالمركز، والسبب غالباً هو الختان، فالقابلة الأوغندية تتركهن حتى يأتي رأس الجنين، ثم تقوم بمساعدتهن، والختان يحول دون ذلك فتحتاج الى قص، وهناك نساء فقدن حياتهن بسبب التأخير”.
ويؤكد الدكتور جلال الدين آدم سراج الدين، عضو مكتب الصحة بالمكتب القيادي أن القابلة الأوغندية لا خبرة لها بمساعدة المرأة المختونة في الولادة مما يؤدي الى نزيف وتهتك الرحم لقلة خبراتهنّ، مما يدفع اللاجئات السودانيات لتفضيل الولادة على ايدي قابلات سودانيات بالرغم من عدم التصريح لهن بالتوليد.
وتشير اختصاصية النساء والتوليد الدكتورة مها السر إلى إن الحمل المتكرر في ظروف اللجوء يشكل تهديداً مباشراً لصحة النساء. “فالولادات المتقاربة وسوء التغذية ونقص الرعاية السابقة للولادة تزيد احتمالات فقر الدم والنزيف ومضاعفات الولادة، كما تؤثر على صحة الأطفال حديثي الولادة”. منوهة إلى أن: “العديد من النساء يقطعن مسافات طويلة تصل لعِدة كيلومترات للوصول للمركز، وأخريات يتجنبن المتابعة بسبب الاكتظاظ أو ضعف الخدمات”.
الجدير بالذكر أن مركز (بندولي) هو الوحيد الذي يقدم الخدمات الطبية والتوليد مجانا، مع وجود مراكز توليد خاصة لا يستطيع ٩٠٪ من اللاجئين دفع تكاليفها التي تصل أحيانا لأكثر من 200 دولار.
أيضا يواجه المركز مشكلة في خدمات النقل، “حيث يوجد إسعاف واحد لا يغطي كل الحالات، هذا بالإضافة لصعوبة وخطورة القيادة ليلاً داخل طرق المعسكر فهي وعرة ومليئة بالحفر ، مما يتسبب في تأخر وصول الحالات، وتفاقم حالات النزيف والولادات الطارئة، ما يؤدي إلى فقدان كبير للدم وحالات إجهاض ومضاعفات أخرى.
آثار نفسية واقتصادية
مع المخاطر الصحية، تبرز مع زيادة معدلات الحمل في المعسكر أزمة اقتصادية، وعن هذا يقول الخبير الاقتصادي السوداني محمد الفاتح : “الأسرة اللاجئة تعيش غالباً على حصص غذائية محدودة أو أعمال يومية هشة. وكل طفل جديد يعني زيادة الإنفاق في وقت تتراجع فيه الموارد”. مضيفاً: “عندما تعجز الأسر عن تلبية احتياجاتها الأساسية، تظهر مشكلات أخرى مثل عمالة الأطفال، والتسرب المدرسي، وزيادة الاعتماد الكامل على المساعدات الإنسانية”.
ويضيف لهذا الدكتور سامر عبد الرحيم، وهو باحث نفسي يقيم في المعسكر و يقدم جلسات علاج نفسي للاجئين/ات فيه، الآثار النفسية ويقول “النساء اللاجئات يعشن أصلاً تحت ضغط نفسي هائل، ناتج عن الفقد والعنف وعدم الاستقرار. وعندما يحدث حمل غير مخطط له في هذه الظروف، فإنه يتحول إلى مصدر قلق مزمن قد يقود إلى الاكتئاب واضطرابات القلق والشعور بالعجز”.
وتوافقه الباحثة الاجتماعية الأوغندية “إستير ناموتي”، فتشير إلى أن تراجع خدمات تنظيم الأسرة لا يؤثر فقط على النساء، بل على البنية الاجتماعية داخل معسكرات اللجؤ بأكملها. وتقول: “كل ولادة جديدة داخل بيئة تعاني من الفقر ونقص الغذاء تعني مزيداً من الضغط على الأسرة والمجتمع والخدمات المحدودة أصلاً”.
قيادي بالمعسكر: “توقف التمويل الأمريكي، وخاصة التمويل الذي كانت تقدمه الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) وشركاؤها، كان له تأثير كبير على الخدمات الصحية المقدمة للاجئين السودانيين في معسكر (كيرياندونغو )
التمويل المجمّد.. بداية الانهيار
أفادنا قيادي بإدارة المعسكر، بأن “توقف التمويل الأمريكي، وخاصة التمويل الذي كانت تقدمه الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) وشركاؤها، كان له تأثير كبير على الخدمات الصحية المقدمة للاجئين السودانيين في معسكر (كيرياندونغو )، وذلك لأن جزءاً مهماً من برامج الصحة والتغذية والحماية الإنسانية يعتمد على التمويل الدولي.” وقد حذرت منظمات أممية وإنسانية من أن تخفيضات التمويل أدى بالفعل إلى تقليص الخدمات الصحية والإمدادات الطبية في عدد من معسكرات اللاجئين، بما فيها (كيرياندونغو) بأوغندا.
وتُدار الرعاية الصحية وتوفير الإمدادات للمخيم عبر شراكة بين عدة جهات، أبرزها: المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR) ومكتب رئيس الوزراء الأوغندي (OPM)، ووزارة الصحة الأوغندية، التي تشرف على النظام الصحي الوطني والخدمات الطبية، إضافة لمنظمات إنسانية شريكة تنفذ البرامج الصحية ميدانياً، ومنها اللجنة الدولية للإنقاذ (IRC) وغيرها من المنظمات الدولية والمحلية.
ويؤكد (جيمس) أحد العاملين في المجال الصحي داخل (كرياندنغو) أكد أن برامج الصحة الإنجابية أصبحت تواجه ضغوطاً مالية وتشغيلية متزايدة خلال العام الأخير، ويمضي قائلا: “مع تصاعد أزمات الغذاء ونقص التمويل الإنساني عالمياً، أصبحت الأولوية للمواد الغذائية والمياه والخدمات الطارئة، بينما تراجعت ميزانيات الصحة الإنجابية بصورة ملحوظة”.
وبهذا تساهم قرارات الرئيس الأمريكي والسياسات الدولية مع الحرب والعادات كلها في زيادة معاناة السودانيات في هذا المعسكر، وإلى أن يتم الالتفات إلى أزمة زيادة الولادات الحالية في مخيم، ستبقى أمينة وجاراتها عرضة لكل هذه المخاطر والتحديات.
خلف كل مولود قصة معاناة
تنتظر (أمينة) طفلها الجديد، وضع اسرتها الاقتصادي لا يُتيح لها أن تكون مُنشغلة بتوفير احتياجات (الولادة)، بقدر ماهي مُنشغلة بمستقبل أسرتها في بيئة تزداد فيها التحديات يوماً بعد آخر. البيانات والشهادات التي جمعها التحقيق تُشير إلى أن ما تعيشه (أمينة) ليس استثناءً، بل جزءاً من أزمة أوسع تتفاقم بصمت داخل معسكر (كرياندنغو)، حيث أدى نقص وسائل تنظيم الأسرة وتراجع خدمات الصحة الإنجابية والتوعية، إلى حرمان العديد من النساء من حقهن في التخطيط لأسرهن واتخاذ قراراتهن الإنجابية بحرية وأمان.
تشير الوقائع إلى أن الأزمة لا ترتبط فقط بنقص الإمدادات الطبية، بل تمتد إلى تداعيات الحرب والنزوح وتراجع التمويل الإنساني، وهي عوامل تضافرت لتخلق واقعاً جديداً تواجه فيه النساء خيارات محدودة في ظل ظروف معيشية قاسية. وبينما تتزايد أعداد الحوامل في المعسكر، تتعاظم الضغوط على المرافق الصحية المحدودة أصلاً، وتزداد المخاوف من انعكاسات ذلك على صحة الأمهات والأطفال ومستقبل الأسر اللاجئة.
قصة (أمينة) وغيرها من النساء تكشف أن قضية تنظيم الأسرة في معسكرات اللجوء ليست خدمة صحية ثانوية، بل ضرورة إنسانية ترتبط بالكرامة والحق في الرعاية الصحية والحياة الكريمة. فخلف كل رقم في سجلات الولادات، تقف حكاية امرأة تحاول التكيّف مع النزوح والحرب والفقر، بينما يبقى السؤال مفتوحاً أمام الجهات الإنسانية والسلطات المعنية: إلى متى ستظل هذه الأزمة الصامتة خارج دائرة الأولويات، رغم آثارها المتزايدة على آلاف اللاجئات وأسرهن؟
(تحقيق استقصائي تم بتمويل من تومسون فاونديشن)
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.