الإسلاميون يعودون من أبواب الدولة.. من أعاد عقارب السودان إلى الوراء؟

تيسير المبارك

 

لم يعد السؤال في السودان: هل يحاول الإسلاميون العودة إلى السلطة؟ السؤال الأكثر إلحاحاً هو: إلى أي مدى استعادوا نفوذهم داخل مؤسسات الدولة، ومن فتح لهم الأبواب التي أغلقتها ثورة ديسمبر؟ بعد سقوط نظام عمر البشير، اعتقد السودانيون أن ثلاثة عقود من التمكين انتهت، وأن مؤسسات الدولة ستبدأ رحلة طويلة وشاقة للتحرر من الولاءات الحزبية والتنظيمية. لكن سنوات الاضطراب التي أعقبت الثورة، ثم انقلاب 25 أكتوبر 2021 والحرب التي اندلعت في أبريل 2023، قلبت المشهد رأساً على عقب، وأعادت الحديث بقوة عن عودة شخصيات وشبكات مرتبطة بالنظام السابق إلى مؤسسات الدولة. لكن كثافة الحديث عن عودة كوادر النظام السابق، واستمرار الجدل بشأن دور الإسلاميين في الحرب، يفرضان سؤالاً مشروعاً: ماذا حدث لمشروع تفكيك دولة التمكين؟

خرج البشير.. فهل بقي النظام؟

كانت واحدة من أكبر أخطاء المرحلة الانتقالية الاعتقاد بأن إسقاط رأس النظام يعني تلقائياً سقوط بنيته. نظام الإنقاذ لم يكن رئيساً وحزباً وبعض الوزراء فحسب. لقد حكم السودان ثلاثين عاماً، وخلال تلك الفترة تشكلت شبكات سياسية واقتصادية وأمنية وإدارية واسعة. ولهذا كان تفكيك التمكين معركة أصعب بكثير من إزالة صور البشير من المكاتب الحكومية. ثم جاءت إجراءات أكتوبر 2021 لتقلب المشهد. تعطلت عملية التفكيك، وعادت شخصيات فصلتها لجنة إزالة التمكين إلى بعض المواقع بموجب قرارات قضائية وإدارية، ودخل السودان مرحلة سياسية جديدة أتاحت للنظام القديم فرصة إعادة ترتيب صفوفه. وهنا ينبغي أن نسأل بوضوح: من استفاد أكثر من انهيار الانتقال المدني؟

الحرب.. الهدية التي لم يحلموا بها

ثم جاءت الحرب. وفي الحروب تختلط الأوراق، وتتراجع الرقابة، ويصبح خطاب التعبئة أقوى من خطاب الإصلاح، وتتحول الأولويات من بناء المؤسسات إلى البقاء والانتصار العسكري. هذه البيئة مثالية لكل تنظيم يريد العودة من دون انتخابات ومن دون تفويض شعبي. وقد وُجهت خلال الحرب اتهامات متكررة إلى مجموعات وشخصيات محسوبة على التيار الإسلامي بالمشاركة في التعبئة والقتال إلى جانب الجيش. وفي المقابل، تؤكد القوات المسلحة أنها مؤسسة قومية، بينما يرفض إسلاميون اتهامهم بالسعي للسيطرة عليها. لكن القضية أكبر من سؤال وجود أفراد إسلاميين في هذه المؤسسة أو تلك. القضية هي: هل تُعاد صياغة الدولة مرة أخرى على أساس الولاء السياسي؟ إذا حدث ذلك، فإن السودان لا يكون قد تعلم شيئاً من تجربة الإنقاذ.

التمكين لا يحتاج إلى إعلان رسمي

التمكين لا يبدأ ببيان يقول: “لقد عدنا”. إنه أكثر ذكاءً من ذلك. يبدأ بإعادة الأشخاص، ثم إعادة الشبكات، ثم السيطرة على مواقع القرار والمال والإعلام، وبعدها يصبح الواقع الجديد أمراً عادياً. ولهذا فإن قياس نفوذ أي تنظيم لا ينبغي أن يعتمد فقط على عدد أعضائه المعلنين داخل المؤسسات، وإنما على مدى قدرته على التأثير في القرارات والتعيينات والسياسات والموارد. وهذه تحديداً هي المنطقة التي تحتاج إلى تحقيق صحفي ومؤسسي واسع، . على حكومة بورتسودان أن تجيب: ما معايير التعيين في مؤسسات الدولة؟ من عاد إلى الخدمة بعد أكتوبر 2021؟ ولماذا؟ وهل توجد مراجعة مستقلة للتعيينات والترقيات التي جرت خلال سنوات الحرب؟

دولة أم غنيمة؟

مشكلة الإسلاميين في تجربتهم السابقة لم تكن أنهم امتلكوا مشروعاً سياسياً مختلفاً فقط، وإنما أن نظام الإنقاذ رسخ نموذجاً جعل الحزب والدولة يتداخلان بصورة كارثية. وحين تصبح الوظيفة العامة مكافأة سياسية، تنهار الدولة حتى لو ظلت مباني الوزارات قائمة. الموظف يصبح تابعاً. والمؤسسة تصبح واجهة. والكفاءة تصبح آخر شروط التعيين. ثم تأتي النتيجة التي يعرفها السودانيون جيداً: دولة ضخمة في شعاراتها، ضعيفة في خدماتها، ومثقلة بشبكات المصالح. فهل يريد السودان العودة إلى التجربة ذاتها؟

من أعادهم؟

هنا السؤال الذي يحاول كثيرون الهروب منه. إذا كان الإسلاميون قد استعادوا بالفعل جزءاً من نفوذهم، فإنهم لم يعودوا عبر صناديق الانتخابات، ولم يمنحهم السودانيون تفويضاً جديداً للحكم. إذن، من وفر البيئة التي سمحت بعودتهم؟ لا يمكن مناقشة هذا السؤال بعيداً عن انهيار الشراكة الانتقالية بعد أكتوبر 2021، ولا بعيداً عن الحرب التي أضعفت المؤسسات المدنية ووسعت مساحة القوى المسلحة والسياسية المرتبطة بالمجهود الحربي. فإما أن نقدم دولة مفتوحة لكل السودانيين وفق القانون والكفاءة، وإما أن تسمح بتحويل مؤسساتها إلى ساحات لتصفية حسابات الثورة وإعادة إنتاج شبكات النظام القديم.

من يعتقد أن ثورة ديسمبر كانت مجرد لحظة غضب يستطيع التاريخ تجاوزها، لم يفهم لماذا خرج السودانيون أصلاً. لقد خرج الناس ضد دولة الحزب الواحد، وضد الفساد والتمكين، وضد احتكار السلطة، وضد استخدام مؤسسات الدولة لخدمة تنظيم سياسي.

ولذلك فإن إعادة إنتاج الممارسات نفسها، تحت أي شعار، ليست استقراراً.

والأخطر أن السودان اليوم ليس السودان الذي كان قبل الحرب. الدولة أضعف، الاقتصاد منهك، المجتمع ممزق، والسلاح منتشر. وإعادة تجربة التمكين داخل هذا الواقع ستكون أكثر خطورة من نسختها الأولى.

السودان لا يحتاج إلى حملة تطهير سياسي مضادة، ولا إلى دولة تنتقم من الإسلاميين لمجرد انتمائهم الفكري. الإسلاميون، مثل غيرهم، لهم الحق في ممارسة السياسة سلمياً وفق القانون. لكن هناك فرقاً شاسعاً بين الحق في النشاط السياسي وامتلاك الدولة من الداخل.

من أراد الحكم، فليذهب إلى الشعب.

ليؤسس حزباً.

ليطرح برنامجه.

وليخض انتخابات حرة عندما تتوافر شروطها.

أما العودة إلى السلطة عبر مؤسسات الدولة أو شبكات النفوذ أو ظروف الحرب، إن حدثت، فهي ليست عودة ديمقراطية، بل إعادة إنتاج للتمكين الذي دفع السودان ثمنه غالياً.

إذا كانت الاتهامات بشأن عودة نفوذ الإسلاميين مبالغاً فيها، فالحل بسيط: الشفافية.

انشروا معايير التعيينات.

اكشفوا قرارات العودة للخدمة.

افتحوا المؤسسات للرقابة المستقلة.

وضحوا للرأي العام العلاقة بين التنظيمات السياسية والتشكيلات المسلحة التي تقاتل إلى جانب الجيش.

ولا تجعلوا من السؤال عن النفوذ الحزبي داخل الدولة جريمة أو خيانة.

لأن السودان الذي خرج مطالباً بـ”حرية، سلام وعدالة” لا يمكن أن يُعاد إليه النظام القديم قطعة قطعة ثم يُطلب منه أن يصدق أن شيئاً لم يحدث.

السودانيون لا يحتاجون إلى استبدال بندقية ببندقية، ولا تمكين بتمكين، ولا حزب مهيمن بحزب آخر. إنهم يحتاجون إلى دولة.

دولة لا يسأل فيها الموظف عن تنظيمه قبل كفاءته، ولا يصبح فيها الجيش بوابة للسياسة، ولا تتحول الوظيفة العامة إلى غنيمة، ولا تختبئ الأحزاب خلف المؤسسات. فإذا كان الإسلاميون يريدون العودة إلى الحياة السياسية، فليعودوا من الباب الذي يدخل منه الجميع: إرادة الشعب. أما مؤسسات الدولة، فيجب أن تبقى ملكاً للسودانيين جميعاً. لأن السودان دفع بالفعل ثمناً باهظاً حين أصبحت الدولة ملكاً لتنظيم، ولا يحتمل أن يدفع الثمن نفسه مرة أخرى.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.