أين الكباشي؟.. لقاء بولس يفتح ملف الصراع المكتوم داخل قيادة الجيش

نورا عثمان

أين الفريق أول شمس الدين الكباشي؟ السؤال لم يعد مجرد استفسار عن غياب مسؤول عسكري عن المنابر، بل تحول إلى سؤال سياسي يتعلق بما يجري داخل الغرف المغلقة لقيادة الجيش السوداني، خصوصاً بعد الجدل الذي أعقب لقاء الكباشي بمسعد بولس، مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، وما ارتبط به من تحركات ومقترحات لإنهاء الحرب. فالرجل الذي ظل واحداً من أبرز وجوه القيادة العسكرية، وظهر خلال مراحل مختلفة في ملفات سياسية وعسكرية شديدة الحساسية، تراجع حضوره في لحظة تتكثف فيها التحركات الإقليمية والدولية بحثاً عن مخرج للحرب. هل هي مصادفة؟ أم أن الكباشي دفع ثمن اقترابه من ملف السلام أكثر مما ينبغي؟ وهل نحن أمام خلاف عابر داخل قيادة الجيش، أم أمام صراع مكتوم حول السؤال الأخطر: من يملك قرار إنهاء الحرب؟
لقاء بولس.. ماذا حدث بعده؟
تكمن أهمية لقاء الكباشي وبولس في أن الأخير ليس مجرد دبلوماسي أجنبي جاء للاستماع إلى تقييم الأوضاع، وإنما مسؤول أميركي انخرط في التحركات المرتبطة بالملف السوداني ومساعي وقف الحرب. ومن هنا اكتسب الاجتماع حساسيته. وتضاربت الروايات بشأن ظروف اللقاء وما إذا كان قد جرى بتنسيق كامل مع عبد الفتاح البرهان، كما تباينت المعلومات بشأن طبيعة المقترحات التي نوقشت خلاله. مصادر مقربة من الكباشي دفعت برواية تقول إنه أطلع البرهان ومالك عقار على تفاصيل الاجتماع، وإنه لم يمنح موافقة منفردة على المقترحات الأميركية باعتبار أن القرار ليس من اختصاصه وحده. وفي المقابل، تداولت تقارير روايات مختلفة بشأن مستوى التنسيق الذي سبق اللقاء. وبين الروايتين، بقيت الحقيقة الكاملة خلف الأبواب المغلقة. لكن السؤال الذي لم يُجب عنه أحد حتى الآن هو: ماذا حدث سياسياً داخل قيادة الجيش بعد اللقاء؟
الكباشي اقترب من منطقة محرمة
في الحروب الطويلة، يصبح السلام نفسه تهديداً لمصالح بعض القوى. فهناك من يصنع نفوذه أثناء الحرب، وهناك من تتوسع سلطته بسببها، وهناك تشكيلات مسلحة تكتسب شرعيتها ومواردها ومكانتها السياسية من استمرار المعارك. وعندما يبدأ الحديث الجدي عن التسوية، لا يصبح السؤال فقط: كيف نوقف إطلاق النار؟ بل: ماذا سيحدث لكل هؤلاء في اليوم التالي؟ هنا يصبح أي مسؤول عسكري يفتح نافذة باتجاه التسوية لاعباً حساساً، لأنه لا يناقش وقف الرصاص فقط، وإنما يقترب من إعادة توزيع السلطة والنفوذ. ولذلك فإن التساؤلات بشأن الكباشي لا يمكن فصلها عن الصراع الأوسع حول مستقبل الحرب.
من يخشى السلام؟

هذا هو السؤال الذي يجب طرحه بلا مواربة. إذا كانت الحرب ستتوقف غداً، فمن سيفقد نفوذه؟ ماذا سيحدث للتشكيلات التي نشأت أو تمددت خلال الحرب؟ ماذا سيكون مصير الجماعات السياسية التي استعادت حضوراً تحت مظلة التعبئة العسكرية؟ وماذا سيحدث لشبكات المصالح التي ازدهرت في اقتصاد الحرب؟ هذه ليست أسئلة نظرية. إنها في صميم المعركة السياسية السودانية المقبلة. فالحرب، بالنسبة للمواطن، موت ونزوح وجوع وانهيار. لكنها بالنسبة لبعض شبكات السلطة والنفوذ يمكن أن تتحول إلى بيئة لإعادة التموضع السياسي والاقتصادي. ولهذا لا ينبغي افتراض أن كل الموجودين داخل معسكر واحد يمتلكون المصلحة نفسها في إنهائها.

الإسلاميون في خلفية المشهد
تذهب قوى سياسية سودانية إلى أن تيارات وشخصيات محسوبة على الحركة الإسلامية أصبحت صاحبة تأثير متزايد في معسكر الجيش، مستفيدة من التعبئة العسكرية ومن مشاركة تشكيلات ذات توجهات إسلامية في القتال. وتتهم هذه القوى الإسلاميين بأن التسوية التي تنهي الحرب وتعيد الملف إلى عملية سياسية مدنية قد تهدد المكاسب التي راكموها خلال سنوات الصراع. لكن هذه الاتهامات، مهما كانت قوتها السياسية، لا تكفي وحدها لإثبات أن الإسلاميين أصدروا قراراً بتحجيم الكباشي أو منعوه من التحرك.
غير أن السؤال يظل مشروعاً: هل تتقاطع مصالح القوى الرافضة للتسوية مع أي محاولة لإضعاف الأصوات الأكثر استعداداً لاختبار طريق التفاوض؟ وهذا هو الملف الذي يستحق التحقيق، بدلاً من الاكتفاء بنظريات المؤامرة أو النفي السياسي العام.
هل أصبح الكباشي عبئاً؟
داخل منظومة شديدة الحساسية مثل القيادة العسكرية، لا يحتاج إقصاء شخصية كبيرة دائماً إلى إعلان. لا بيان يقول إن الرجل أصبح غير مرغوب فيه. ولا مؤتمر صحفي لإعلان انتهاء دوره. يمكن أن يحدث التحجيم بطريقة أكثر هدوءاً: سحب الملفات، تقليص الصلاحيات، خفض الظهور الإعلامي، استبعاد المسؤول من بعض الاجتماعات، أو إبقاؤه داخل الهيكل الرسمي مع تقليل تأثيره الحقيقي. ولهذا فإن السؤال ليس فقط: هل لا يزال الكباشي يحمل منصبه؟ السؤال الأهم: هل لا يزال يمتلك النفوذ نفسه؟
فالمنصب المكتوب على الورق شيء، والقدرة الفعلية على صناعة القرار شيء آخر تماماً.
البرهان أمام السؤال
لا يمكن أيضاً مناقشة القضية بعيداً عن عبد الفتاح البرهان. فهو رأس المؤسسة العسكرية وصاحب الموقع الأكثر تأثيراً داخل منظومة الحكم القائمة في مناطق سيطرة الجيش. وإذا كانت هناك بالفعل اختلافات حول كيفية التعامل مع المبادرات الدولية، فإن السؤال يصبح: هل يريد البرهان إدارة هذه الاتصالات عبر دائرة محدودة للغاية؟ وهل يُسمح لبقية القيادات العسكرية بامتلاك قنوات مستقلة مع الوسطاء؟ الأهم من ذلك: هل يوجد داخل القيادة موقف واحد أصلاً من التسوية؟ فإذا كان الكباشي يتحرك باتجاه اختبار مقترحات السلام، بينما ترى أطراف أخرى ضرورة استمرار العمليات العسكرية، فنحن لا نكون أمام خلاف شخصي، وإنما أمام تباين في الاستراتيجية. وهذا أخطر بكثير.
هل هناك جناح حرب وجناح تسوية؟
ربما تكون هذه هي الفرضية التي تستحق المراقبة خلال المرحلة المقبلة. ليس بالضرورة أن توجد أجنحة رسمية تحمل هذه الأسماء، لكن من الطبيعي في حرب طويلة ومعقدة أن تظهر اختلافات في تقدير الكلفة والفرص. طرف قد يرى أن الميدان قادر على تحسين شروط التفاوض. وطرف آخر قد يعتقد أن استمرار الحرب يستنزف الدولة نفسها، وأن اللحظة تتطلب تسوية قبل أن يصبح الثمن أكبر. إذا كان هذا التباين موجوداً بالفعل، فإن الكباشي قد يكون أصبح أحد رموز الجدل حوله، خصوصاً بعد اتصالاته المتعلقة بالمسار السياسي.
لكن أين الرجل؟
هنا نعود إلى السؤال الأول. غياب شخصية بهذا الوزن دون معلومات رسمية كافية يفتح المجال لكل الاحتمالات. لكن ينبغي أن نكون دقيقين: لا توجد، وفق المعلومات المتاحة علناً، أدلة موثوقة تسمح بالجزم بأن الكباشي تعرض لإخفاء قسري أو احتجاز.
والقفز من انخفاض الظهور إلى الحديث عن “إخفاء قسري” يحتاج إلى أدلة لا توفرها التكهنات السياسية. لكن نفي فرضية الإخفاء القسري لا يلغي الأسئلة المتعلقة بإمكانية الإبعاد السياسي أو تحجيم الدور. وهذا تحديداً ما تستطيع قيادة الجيش توضيحه بسهولة. أظهروا الرجل. وضحوا مهامه. دعوه يتحدث. واشرحوا للرأي العام موقفه من مسار التسوية.
الصمت يصنع رواية أخطر
كل يوم يمر دون إجابة واضحة سيضيف قصة جديدة. قصة تقول إن البرهان غاضب. وأخرى تتحدث عن الإسلاميين. وثالثة تزعم وجود خلافات داخل الجيش. ورابعة ستذهب أبعد لتتحدث عن احتجاز أو إقامة جبرية. وقد تكون غالبية هذه الروايات خاطئة. لكن المسؤول عن انتشارها ليس الجمهور وحده؛ فغياب المعلومة الرسمية يخلق البيئة المثالية للشائعة. وفي بلد يعيش حرباً وجودية، لا ينبغي أن يكون مصير أحد أبرز قادة المؤسسة العسكرية مادة للتخمين.
المشكلة ليست الكباشي وحده
القضية في جوهرها ليست مصير جنرال. إنها قضية القرار السوداني نفسه. إذا كان لقاء مسؤول عسكري رفيع بمبعوث أميركي لمناقشة وقف الحرب قاد إلى كل هذا الجدل، فإن ذلك يكشف هشاشة التوافق حول مسار السلام. وإذا كان هناك من يستطيع تعطيل أي تحرك باتجاه التسوية لأنه يهدد مصالحه، فالمشكلة تصبح أخطر من خلاف داخل القيادة.
تصبح المشكلة أن الحرب نفسها صنعت أصحاب مصلحة في استمرارها. وهنا ينبغي على السودانيين أن يسألوا: من يريد فعلاً إنهاء الحرب؟ ومن يريد إنهاءها فقط بالشروط التي تحفظ له السلطة؟ ومن يخشى اليوم التالي للسلام؟
أين الكباشي.. وأين قرار السلام؟

قد يظهر الكباشي غداً، وتنتهي التكهنات بشأن مصيره. لكن ظهوره وحده لن يغلق الملف. لأن السؤال الذي فتحه لقاء بولس أكبر من شخص الكباشي نفسه. هل توجد داخل قيادة الجيش رؤية موحدة لإنهاء الحرب؟ هل يستطيع أي قائد التحرك في ملف السلام دون الاصطدام بمراكز نفوذ داخلية؟ ما حجم تأثير الإسلاميين والتشكيلات المسلحة والحلفاء السياسيين في تحديد سقف التفاوض؟ ومن صاحب الكلمة الأخيرة عندما تتعارض ضرورات السلام مع مصالح التحالفات التي صنعتها الحرب؟

هذه الأسئلة لن تختفي بمجرد صورة للكباشي في اجتماع رسمي. فالذي يحتاج السودانيون إلى رؤيته ليس الكباشي وحده، بل الطريق الذي تسير فيه بلادهم. وإذا كان الرجل قد تعرض لتحجيم سياسي بسبب اقترابه من مسار التسوية، فإن القضية تصبح إنذاراً بأن معركة أخرى تجري بعيداً عن الجبهات: معركة بين من يرى في السلام مخرجاً للسودان، ومن قد يرى فيه نهاية لنفوذ صنعته الحرب. ولهذا، بدلاً من السؤال فقط: أين الكباشي؟ ربما ينبغي أن يكون السؤال الأكثر إلحاحاً: من أخفى قرار السلام عن السودانيين، ومن يملك الجرأة على إخراجه من الغرف المغلقة؟

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.