الحرب لا تقتل بالرصاص وحده. هناك موت آخر بطيء، لا يسمع أحد دويه، ولا تظهر صوره في نشرات الأخبار، ولا تُحصى ضحاياه كل مساء ضمن قوائم القتلى والمصابين. إنه ذلك الخراب الذي تتركه الحرب داخل الإنسان، حين تسلبه منزله وتعليمه وعمله ومستقبله، ثم تدفعه إلى مخيم لجوء لا يعرف متى يغادره ولا إلى أين ستقوده الأيام. ومن مخيم كرياندونغو للاجئين في أوغندا، تتصاعد تحذيرات بشأن مخاطر تعاطي المخدرات والإدمان وسط بعض الشباب السودانيين، وسط مطالب ببرامج عاجلة للوقاية والعلاج والتأهيل النفسي والاجتماعي.
ولا تتوافر، في حدود المعلومات المتاحة لنا، إحصاءات ميدانية مستقلة تسمح بتحديد حجم الظاهرة بدقة، ولذلك فإن التعامل المسؤول معها يجب ألا يبدأ بإطلاق الأحكام على شباب المخيم، وإنما بالتحقق، ثم الوقاية، والوصول إلى من يحتاجون إلى المساعدة قبل أن تتحول الحالات الفردية أو المحدودة إلى أزمة أوسع. لكن مجرد صدور هذه التحذيرات ينبغي أن يقرع جرساً لا يجوز تجاهله.
قبل أن نسأل: لماذا يتعاطى شاب المخدرات؟ علينا أن نسأل: ماذا فعلنا بهذا الشاب؟ ربما كان طالباً في جامعة سودانية قبل الحرب، يحلم بالتخرج والعمل وبناء حياته. وربما كان عاملاً يعيل أسرته، أو رياضياً، أو فناناً، أو شاباً عادياً كل مشكلته أنه وُلد في بلد قرر قادته أن يجعلوا البندقية وسيلة لحسم خلافاتهم. ثم جاءت الحرب. توقفت الجامعات، ضاعت الوظائف، تفرقت الأسر، قُتل الأصدقاء والأقارب، احترقت البيوت، وتحولت رحلة النجاة نفسها إلى تجربة قاسية. وبعد كل ذلك يصل الشاب إلى اللجوء.
ينجو من الرصاص، نعم، لكنه يجد نفسه أمام سؤال أكثر قسوة: وماذا بعد؟ لا جامعة، وربما لا عمل، ولا دخل ثابت، ولا أفق واضح للعودة إلى الوطن. ساعات طويلة من الفراغ، ومستقبل غامض، وذكريات حرب ثقيلة. في مثل هذه البيئة تصبح المخدرات بالنسبة إلى بعض الشباب باباً للهروب المؤقت من واقع لا يستطيعون تغييره. وهنا تحديداً يجب أن نفهم أن الإدمان، إن وجد، ليس مجرد «انحراف أخلاقي» يمكن علاجه بالمواعظ واللوم. إنه مشكلة صحية واجتماعية تحتاج إلى تدخل متخصص.
أسوأ ما يمكن أن نفعله هو وصم شباب المخيم. أن نقول عنهم: مدمنون، منحرفون، ضائعون. هذه الكلمات لا تعالج إنساناً، بل قد تدفعه إلى مزيد من العزلة. المطلوب أن نتعامل مع أي شاب يعاني من اضطراب تعاطي المواد باعتباره إنساناً يحتاج إلى العلاج والدعم، لا باعتباره مجرماً ينبغي طرده من المجتمع. فالعار الاجتماعي المحيط بالإدمان يجعل كثيرين يخشون طلب المساعدة.
والشاب الذي يخشى أن تعرف أسرته أو مجتمعه بحالته قد يستمر في التعاطي سراً إلى أن تصبح المشكلة أكثر تعقيداً. لذلك فإن أول برنامج حقيقي لمواجهة الخطر يجب أن يبدأ بتغيير اللغة نفسها: العلاج بدلاً من الإدانة، والاحتواء بدلاً من النبذ.
هناك خطأ كبير في طريقة النظر إلى اللاجئين. يُختزل الإنسان أحياناً في حاجته إلى الطعام والماء والمأوى. لكن الإنسان يحتاج أيضاً إلى معنى للحياة. يحتاج الشاب إلى الدراسة والعمل والرياضة والفنون والعلاقات الاجتماعية والشعور بأنه ما يزال قادراً على صناعة مستقبله. لا يكفي أن نوفر للاجئ وجبة ونطلب منه أن ينتظر نهاية الحرب. ماذا يفعل طوال سنوات الانتظار؟ ماذا يحدث لطالب انقطع عن جامعته ثلاث سنوات؟ ماذا يحدث لخريج بلا وظيفة؟ ماذا يحدث لشاب فقد أحد أفراد أسرته وشاهد الموت والنزوح ثم وجد نفسه عالقاً في مخيم؟ الفراغ في مثل هذه الظروف ليس مجرد وقت زائد. إنه خطر. ولهذا يحذر متخصصون في الصحة النفسية والعمل الإنساني عادة من اجتماع عدة عوامل في بيئات النزوح واللجوء: الصدمات النفسية، البطالة، الانقطاع عن التعليم، الفقر، ضعف الروابط الاجتماعية والفراغ. وحين تتراكم هذه العوامل يصبح بعض الشباب أكثر هشاشة أمام سلوكيات خطرة، من بينها تعاطي المواد.
إذا كانت التحذيرات القادمة من كرياندونغو تعكس مشكلة حقيقية على الأرض، فإن المطلوب ليس حملة إعلامية لفضح المتعاطين. المطلوب برنامج تدخل عاجل. نحتاج إلى فرق متخصصة تستطيع إجراء تقييم ميداني حقيقي لمعرفة حجم المشكلة وأنواع المواد المتداولة والفئات العمرية الأكثر عرضة لها. نحتاج إلى خدمات علاج سرية وآمنة لمن يريدون التوقف عن التعاطي. نحتاج إلى دعم نفسي للشباب الذين عاشوا الحرب والنزوح وفقدان الأقارب. نحتاج إلى أنشطة رياضية وثقافية وفنية منتظمة. ونحتاج، قبل كل ذلك، إلى إعادة الشباب إلى التعليم والتدريب والعمل. فالتأهيل الحقيقي ليس أن تقول للشاب: «لا تتعاطَ المخدرات». التأهيل الحقيقي أن تمنحه سبباً يجعله يريد الاستيقاظ صباحاً.
المسؤولية هنا جماعية.
الجهات السودانية المعنية لا ينبغي أن تتعامل مع اللاجئين وكأنهم خرجوا من حدود البلاد فخرجوا معها من دائرة مسؤوليتها الأخلاقية. والمنظمات الإنسانية العاملة وسط اللاجئين مطالبة بألا تحصر تدخلاتها في الغذاء والإيواء، بل أن تعطي الصحة النفسية والوقاية من الإدمان وتمكين الشباب أولوية أكبر. كما أن الجهات الأوغندية والمنظمات الدولية ومؤسسات المجتمع المدني السوداني تستطيع العمل معاً لبناء برامج تستهدف الشباب تحديداً. ولا بد من إشراك اللاجئين أنفسهم في تصميم هذه البرامج. فالشباب في المخيم يعرفون مشكلاتهم أكثر من أي خبير يأتي إليهم لساعات ثم يغادر. يمكن تدريب شباب من داخل المجتمع اللاجئ على التوعية والإحالة إلى الخدمات، وإنشاء مجموعات دعم، وتنظيم الأنشطة الرياضية والثقافية، والوصول إلى الأشخاص الأكثر عزلة.
حتى لو أُنشئ أفضل مركز لعلاج الإدمان داخل المخيم، ستظل المشكلة قابلة للعودة إذا بقيت البيئة التي صنعتها كما هي.
فالوقاية مرتبطة بالتعليم. ومرتبطة بالعمل. ومرتبطة بالصحة النفسية. ومرتبطة بالأمل. ولهذا يجب أن تشمل الاستجابة منحاً تعليمية وتدريباً مهنياً ومشروعات صغيرة وفرصاً للعمل والتطوع، إلى جانب العلاج المتخصص. الشاب الذي يمتلك مشروعاً وحلماً ومسؤولية وفرصة حقيقية لبناء حياته أكثر قدرة على مقاومة اليأس من شاب يشعر أن العالم نسي وجوده.
هذه إحدى أخطر إفرازات حرب السودان. نحن نعد القتلى، لكننا لا نعد الذين فقدوا تعليمهم. نعد الجرحى، ولا نعد المصابين بصدمات نفسية. نتحدث عن المدن المدمرة، ولا نتحدث بما يكفي عن الإنسان الذي تدمر من الداخل. نتحدث عن ملايين النازحين واللاجئين باعتبارهم أرقاماً، بينما خلف كل رقم قصة وحياة توقفت في منتصف الطريق. وإذا كان هناك شباب سودانيون في كرياندونغو أو غيره من مخيمات اللجوء بدأوا يسقطون في فخ المخدرات، فإن السؤال ليس: ما الذي أصاب هذا الجيل؟ السؤال الأكثر عدلاً هو: ماذا فعلت الحرب بهذا الجيل؟
شباب السودان الذين يعيشون في مخيمات اللجوء ليسوا جيلاً فائضاً عن الحاجة. هؤلاء هم الأطباء والمهندسون والمعلمون والفنانون والعمال ورواد الأعمال الذين سيحتاج إليهم السودان إذا توقفت الحرب يوماً وبدأت إعادة بناء البلاد. خسارتهم اليوم تعني أن الحرب ستواصل تدمير السودان حتى بعد أن تصمت البنادق. ولهذا فإن التحذيرات بشأن الإدمان في كرياندونغو يجب ألا تتحول إلى خبر يمر في وسائل الإعلام ثم يُنسى. يجب أن تتحول إلى تحرك. تقييم ميداني عاجل. برامج للوقاية والعلاج. دعم نفسي. تعليم وتدريب مهني. رياضة وفنون ومساحات آمنة للشباب. وفرص تعيد إليهم الإحساس بأن المستقبل لم ينته بعد. لقد أخذت الحرب من هؤلاء الشباب بيوتهم وجامعاتهم وأعمالهم وأصدقاءهم وبلادهم. فلا تسمحوا لها أن تأخذ ما تبقى منهم.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.