إذعان وإفشال للمبادرات… كيف يُسخّر البرهان سلطة “بورتسودان” لحساب الإخوان؟
محمد سبتي صحفي أردني
تتزايد الأدلة والمؤشرات الميدانية والسياسية التي تؤكد أنّ الفريق أول عبد الفتاح البرهان بات يُدير المشهد في السودان وفق إرادة التيار الإسلامي (الكيزان)، مُسخّراً المؤسسات العسكرية والسياسية لبناء بيئة تمكين كاملة لعناصر النظام السابق، مقابل عرقلة أيّ مساعٍ أو مبادرات دولية وإقليمية تُفضي إلى إنهاء الحرب وتضع حداً للمعاناة الإنسانية المتفاقمة.
تمكين الإخوان
وتكشف التحركات الأخيرة الصادرة عن مجلس الأمن والدفاع الذي يترأسه البرهان عن تحول هيكلي وحاسم في إدارة الصراع؛ فقد أطلق البرهان حزمة قرارات تُجرد الحركات المسلحة المتحالفة معه من أوراق قوتها الميدانية والمالية.
ووفق “الراكوبة” تضمنت هذه الإجراءات إخلاء العاصمة الخرطوم من كافة التشكيلات العسكرية وحظر تواجدها في مناطق التعدين وإنتاج الذهب، وهي خطوات يراها البعض إبعاداً ممنهجاً وتدريجياً لهذه الحركات عن مفاصل الدولة، تمهيداً لإقالة وزرائها وتفريغ الساحة السياسية والعسكرية بالكامل لصالح إعادة تمكين عناصر الحركة الإسلامية واستعادة نفوذهم المطلق داخل مركز القرار.
وتربط مصادر سودانية مطلعة بين السلوك التفاوضي المعطل لسلطة بورتسودان وبين رغبة التيار الإسلامي المتحالف مع قيادة الجيش؛ إذ يرى “الكيزان” في استمرار الحرب الوسيلة الوحيدة للحفاظ على مواقعهم داخل السلطة، والضمانة الأساسية لحماية شبكات المصالح الاقتصادية والأمنية التي تشكلت في ظل النزاع المسلح.
المبادرات… أدوات إخوانية لكسب الوقت
وفي هذا السياق، أكد مساعد رئيس حزب الأمّة القومي، عروة الصادق، في تصريح لوكالة “وام”، أنّ البرهان يذعن بالكامل لإملاءات الجماعات الإسلامية “ذراع الإخوان المسلمين” لأنّ سلامته البنيوية والسياسية ارتبطت بوجود التنظيم وكتائبه، مشيراً إلى أنّ التفاوض وأيّ مبادرة سلام يتحولان في يد هذه المنظومة إلى مجرد أدوات لكسب الوقت، بينما تُستغل الهدن كمحطات لإعادة التموضع العسكري لا أكثر.
وأوضح الصادق أنّ أيّ جهد دولي يركز على جمع الأطراف حول طاولة التفاوض دون التعامل مع الشبكات التي تستفيد من استمرار الحرب، سيظل يواجه الصعوبة نفسها، معتبراً أنّ السلام يحتاج إلى ضغوط سياسية ومالية متزامنة على معطلي التسوية، إلى جانب عقوبات وقرارات من مجلس الأمن بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.
واختتم الصادق حديثه بالإشارة إلى أنّ السلام يحتاج أيضاً إلى ضمانات حقيقية تحمي المدنيين، وإلى عملية انتقالية تستعيد القرار الوطني من اقتصاد الحرب ومراكز النفوذ التي تشكلت حوله، وعندها فقط يمكن أن تتحول المبادرات إلى مسار قادر على إنهاء الحرب وفتح الطريق أمام دولة مدنية مستقرة.
ومن جانبه، قال الكاتب والمحلل السياسي عمار سعيد: إنّ السودان حصل على مبادرات سلام كثيرة كانت تنقصها الإرادة الحقيقية لاستكمالها وتحقيق نتائج مثمرة تضع حداً للحرب الحالية، لكنّ حسابات البرهان والواجهات الإسلامية التي تدير المشهد حالت دون ذلك.
وأضاف سعيد لـ “إرم نيوز” أنّه طالما بقي الإسلاميون يديرون المشهد الداخلي، فمن الصعب جداً تحقيق السلام المنشود، ففي كل مرة يصطدم المسار بعوائق تتعلق بتعويم شخصيات إسلامية تحت مسمّيات وعناوين مختلفة، والجميع يعلم الهدف المقصود، لذلك من المستبعد أن تحقق مبادرات السلام وقف الحرب. وأشار إلى أنّ تجفيف منابع التمويل والمؤسسات المرتبطة بالتنظيمات الإسلامية، خاصة تنظيم الإخوان المسلمين على المستوى الدولي، سينعكس بصورة مباشرة على التنظيم داخل السودان. وأكد سعيد أنّه مع استمرار الجانب الأمريكي في ملاحقة الإسلاميين حول العالم، يبدو أنّ هناك خطة دولية محكمة للقضاء على الإسلام السياسي، وعند القضاء على الأصول، تبقى الفروع عملية أسهل، وحينها ستكون المبادرة نحو السلام ممكنة وأقرب ممّا يعتقد البعض.
معادلة “الضغط الأقصى” وتجفيف الموارد المالية
الرهان على إنهاء الأزمة السودانية أصبح يعتمد بشكل مباشر على مدى جدية المجتمع الدولي في تطبيق استراتيجية “الضغط الأقصى” على المؤسسات المالية والشبكات العابرة للحدود التابعة لتنظيم الإخوان المسلمين، في حين أنّ الملاحقة الدولية المتصاعدة لرموز وشبكات الإسلام السياسي ستنعكس حتماً على فرع التنظيم في السودان؛ فعندما تُشلّ الحركة المالية الدولية للإخوان، ستفقد سلطة بورتسودان الرئة التي تغذي مراهنتها على خيار الحرب، ممّا يفتح الطريق أمام فرض السلام، واقتلاع نفوذ “الكيزان”، وإعادة تأسيس الدولة المدنية المستقلة.
(حفريات)
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.