حكومة السلام والرهان على العودة الطوعية للاجئين (1)

بقلم: الطيب مادري حسن

بين الاستحقاق الإنساني واختبار القدرة على إدارة مرحلة ما بعد الحرب.

منذ أن بدأت حكومة بورتسودان الإعلان عن برامج العودة الطوعية إلى المناطق الخاضعة لسيطرتها، ظل السؤال الذي يتردد في أوساط الآلاف من اللاجئين المنتمين إلى مناطق حكومة السلام: متى تعلن حكومة السلام برنامجها للعودة الطوعية؟

لم يكن ذلك السؤال مجرد استفسار عن موعد العودة، بل كان تعبيرًا عن الانتماء والشوق إلى الوطن، ورغبةً في طي صفحة اللجوء التي امتدت لأكثر من ثلاث سنوات، حمل خلالها اللاجئون أعباء القهر والذل والمرارة، وفقدوا كثيرًا من مقومات الحياة الكريمة.

فاللاجئون لا يبحثون عن المأوى وحده، وإنما يبحثون عن استعادة حياتهم الطبيعية. فالوطن عندهم ليس حدودًا جغرافية فحسب، بل هو الهوية والذاكرة والأرض التي تمنح الإنسان شعور الانتماء والأمان. ولهذا تظل العودة الطوعية الحلم الذي يرافق كل لاجئ مهما طالت سنوات الغربة.

غير أن العودة الطوعية ليست قرارًا سياسيًا أو إعلاميًا فحسب، وإنما هي عملية إنسانية وقانونية معقدة، تتطلب تهيئة الظروف الأمنية والخدمية والاقتصادية التي تمكن المواطنين من العودة إلى مناطقهم دون خوف أو إكراه، وبما يحفظ كرامتهم ويضمن استقرارهم.

ومن منظور القانون الدولي، فإن مبدأ العودة الطوعية يعد أحد الحلول الدائمة لأوضاع اللاجئين، وهو مبدأ استقر عليه العمل في القانون الدولي، وتسترشد به الجهات الإنسانية المختصة عند تنظيم برامج العودة.

وفي السياق السوداني، فإن أي مبادرة للعودة الطوعية ستكون أكثر من مجرد خطوة إنسانية، فهي تمثل اختبارًا لقدرة أي سلطة على إدارة مرحلة ما بعد الحرب، أو أثناء الحرب في المناطق الآمنة، وإعادة بناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الحكم، وإثبات قدرتها على توفير الحد الأدنى من الأمن والخدمات الأساسية.

فالسؤال الذي يطرح نفسه: هل ترى حكومة السلام أن الظروف أصبحت مهيأة لعودة المواطنين إلى مناطقهم أم لا؟

فإذا كانت الإجابة بـ»نعم»، فإن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من الخطاب السياسي إلى التخطيط العملي، عبر وضع برنامج واضح للعودة الطوعية بالتنسيق مع المنظمات الإنسانية والوطنية والدولية، لضمان سلامة العائدين، وتوفير احتياجاتهم الأساسية، ومساعدتهم على إعادة بناء حياتهم.

فالنجاح الحقيقي لأي مشروع للعودة لا يقاس بعدد الرحلات التي تعبر الحدود، وإنما بعدد الأسر التي تتمكن من الاستقرار في منازلها، وإرسال أطفالها إلى المدارس، والحصول على الرعاية الصحية، واستئناف نشاطها الاقتصادي دون خوف من تجدد النزاع.

إن العودة الطوعية ليست مجرد نهاية لرحلة اللجوء، بل هي بداية لمرحلة جديدة من إعادة بناء الإنسان والوطن. وإذا أُحسن التخطيط لها، فإنها يمكن أن تشكل خطوة مهمة نحو ترسيخ الاستقرار، وتخفيف المعاناة الإنسانية، وفتح الطريق أمام سلام مستدام يستند إلى عودة المواطنين إلى ديارهم بكرامة وأمان.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.