قِرَاءَةٌ فِي مَآلَاتِ الْحَرْبِ السُّودَانِيَّةِ وَأَثَرِهَا الْإِقْلِيمِيِّ
تَقِفُ الدَّوْلَةُ السُّودَانِيَّةُ الْيَوْمَ عِنْدَ مُفْتَرَقِ طُرُقٍ تَارِيخِيٍّ، حَيْثُ لَا تُشَكِّلُ الْحَرْبُ الدَّائِرَةُ مُجَرَّدَ صِرَاعٍ عَسْكَرِيٍّ عَلَى السُّلْطَةِ، بَلْ هِيَ زِلْزَالٌ اقْتِصَادِيٌّ عَنِيفٌ قَوَّضَ أَرْكَانَ الدَّوْلَةِ وَامْتَدَّتْ شَظَايَاهُ لِتُصِيبَ الْجِوَارَ الْإِقْلِيمِيَّ فِي مَقَاتِلَ حَسَّاسَةٍ.
إِنَّ النَّاظِرَ إِلَى عُمْقِ الْأَزْمَةِ يُدْرِكُ أَنَّ مَا يَحْدُثُ لَيْسَ انْهِيَارًا مَحَلِّيًّا فَحَسْبُ، بَلْ هُوَ تَعْطِيلٌ لِشِرْيَانٍ حَيَوِيٍّ كَانَ يَرْبِطُ اقْتِصَادَاتِ شَرْقِ وَوَسَطِ أَفْرِيقِيَا بِالْعَالَمِ، مِمَّا جَعَلَ كُلْفَةَ الصَّمْتِ الدَّوْلِيِّ بَاهِظَةً عَلَى الْجَمِيعِ.
لَقَدْ كَانَ الْوَقْعُ عَلَى الدَّاخِلِ السُّودَانِيِّ كَارِثِيًّا بِكُلِّ مَا تَحْمِلُهُ الْكَلِمَةُ مِنْ مَعْنًى، إِذْ تُشِيرُ التَّقْدِيرَاتُ الرَّسْمِيَّةُ لِلْبَنْكِ الدَّوْلِيِّ وَصُنْدُوقِ النَّقْدِ إِلَى انْكِمَاشٍ حَادٍّ فِي النَّاتِجِ الْمَحَلِّيِّ الْإِجْمَالِيِّ تَجَاوَزَ ثَلَاثِينَ بِالْمِائَةِ فِي الْعَامِ الْأَوَّلِ لِلنِّزَاعِ، لِيَتَوَاصَلَ النَّزِيفُ بِنِسَبٍ مُتَفَاوِتَةٍ فِي الْأَعْوامِ اللَّاحِقَةِ.
هَذَا الِانْهِيَارُ لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ أَرْقَامٍ صَمَّاءَ، بَلْ تَجَسَّدَ فِي تَدْمِيرٍ مُمَنْهَجٍ لِلْبِنْيَةِ التَّحْتِيَّةِ الصِّنَاعِيَّةِ فِي الْخَرْطُومِ، وَتَعْطِيلٍ كَامِلٍ لِلْمَشَارِيعِ الزِّرَاعِيَّةِ الْكُبْرَى الَّتِي كَانَتْ تُشَكِّلُ صِمَامَ أَمَانٍ لِلْأَمْنِ الْغِذَائِيِّ.
كَمَا فَقَدَتِ الْعُمْلَةُ الْوَطَنِيَّةُ قِيمَتَهَا أَمَامَ الدُّولَارِ بِشَكْلٍ جُنُونِيٍّ، مِمَّا دَفَعَ بِمُعَدَّلَاتِ الْفَقْرِ لِتَقْفِزَ مِنْ سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ بِالْمِائَةِ قَبْلَ الْحَرْبِ إِلَى أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ وَسَبْعِينَ بِالْمِائَةِ فِي عَامِ أَلْفَيْنِ وَخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ، لِيُصْبِحَ أَكْثَرُ مِنْ ثَلَاثَةٍ وَعِشْرِينَ مِلْيُونَ سُودَانِيٍّ تَحْتَ خَطِّ الْفَقْرِ الْمُدْقِعِ.
وَبِالِانْتِقَالِ إِلَى الْجَارَةِ الشَّمَالِيَّةِ، مِصْرَ، نَجِدُ أَنَّ الِارْتِبَاطَ الِاقْتِصَادِيَّ بَيْنَ الْبَلَدَيْنِ يَتَجَاوَزُ حُدُودَ الْجُغْرَافْيَا لِيَصِلَ إِلَى مَرْحَلَةِ الِاعْتِمَادِ الْمُتَبَادَلِ. فَقَدْ بَلَغَ حَجْمُ التَّبَادُلِ التِّجَارِيِّ قَبْلَ الْأَزْمَةِ نَحْوَ مِلْيَارٍ وَأَرْبَعِمِائَةِ مِلْيُونِ دُولَارٍ، وَكَانَ السُّودَانُ يُمَثِّلُ سُوقًا رَئِيسِيَّةً لِلْمُنْتَجَاتِ الْمِصْرِيَّةِ وَمَصْدَرًا هَامًّا لِلُّحُومِ وَالْمَوَاشِي وَالْمَدْخَلَاتِ الزِّرَاعِيَّةِ.
إِنَّ تَعَطُّلَ مَمَرَّاتِ التِّجَارَةِ عَبْرَ مَعْبَرَيِ “أَرْقِين” وَ”قَسْطَل” أَثَّرَ سَلْبًا عَلَى انْسِيَابِ السِّلَعِ، كَمَا أَنَّ وُجُودَ أَكْثَرَ مِنْ مِلْيُونِ لَاجِئٍ سُودَانِيٍّ مُسَجَّلٍ فِي مِصْرَ حَتَّى نِهَايَةِ أَلْفَيْنِ وَخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ شَكَّلَ ضَغْطًا إِضَافِيًّا عَلَى الْمَوَارِدِ، رَغْمَ مَا يَحْمِلُهُ هَذَا التَّوَاجُدُ مِنْ فُرَصٍ لِلِاسْتِثْمَارِ الصَّغِيرِ وَتَحْرِيكِ بَعْضِ الْقِطَاعَاتِ الِاسْتِهْلَاكِيَّةِ.
لَقَدْ تَوَقَّفَتْ أَوْ تَعَطَّلَتْ مَشَارِيعُ الرَّبْطِ الْكَهْرَبَائِيِّ وَالسِّكَكِ الْحَدِيدِيَّةِ الطَّمُوحَةِ، مِمَّا حَرَمَ الِاقْتِصَادَ الْمِصْرِيَّ مِنْ بَوَّابَةٍ نَحْوَ عُمْقِ الْقَارَّةِ الْأَفْرِيقِيَّةِ.
أَمَّا فِي جَنُوبِ السُّودَانِ، فَقَدْ كَانَتِ الْحَرْبُ بِمَثَابَةِ خَنْقٍ لِشِرْيَانِ الْحَيَاةِ الْوَحِيدِ. فَهَذِهِ الدَّوْلَةُ الْوَلِيدَةُ تَعْتَمِدُ بِنِسْبَةِ تِسْعِينَ بِالْمِائَةِ عَلَى صَادِرَاتِ النِّفْطِ الَّتِي تَمُرُّ حَصْرًا عَبْرَ الْأَنَابِيبِ السُّودَانِيَّةِ وُصُولًا إِلَى مِينَاءِ بُورتسُودَان.
إِنَّ أَيَّ تَعَطُّلٍ فِي هَذِهِ الْخُطُوطِ يَعْنِي فُقْدَانَ ثَمَانِينَ بِالْمِائَةِ مِنْ مِيزَانِيَّةِ الدَّوْلَةِ فِي جُوبَا، مِمَّا أَدَّى إِلَى عَجْزٍ عَنْ دَفْعِ الرَّوَاتِبِ وَتَفَاقُمِ الْأَزْمَةِ الْمَعِيشِيَّةِ. وَلَمْ يَتَوَقَّفِ الْأَمْرُ عِنْدَ النِّفْطِ، بَلْ تَعَطَّلَتْ قَوَافِلُ الْغِذَاءِ الَّتِي كَانَتْ تَنْسَابُ مِنْ شَمَالِ السُّودَانِ لِتَغْذِيَةِ الْوِلَايَاتِ الْحُدُودِيَّةِ فِي الْجَنُوبِ، مِمَّا رَفَعَ أَسْعَارَ السِّلَعِ الْأَسَاسِيَّةِ إِلَى مُسْتَوَيَاتٍ غَيْرِ مَسْبُوقَةٍ.وَلَمْ تَكُنِ الدُّوَلُ الْمُجَاوِرَةُ الْأُخْرَى بِمَعْزِلٍ عَنْ هَذَا اللَّهِيبِ، إِذْ اسْتَقْبَلَتْ تَشادُ أَكْثَرَ مِنْ مِلْيُونِ لَاجِئٍ فِي مَنَاطِقِهَا الشَّرْقِيَّةِ الْفَقِيرَةِ، مِمَّا ضَاعَفَ الضَّغْطَ عَلَى مَوَارِدِ الْمِيَاهِ وَالْمَرْعَى وَخَلَقَ تَحَدِّيَاتٍ أَمْنِيَّةً وَاقْتِصَادِيَّةً جَسِيمَةً. وَفِي إِثْيُوبْيَا، تَعَطَّلَتِ التِّجَارَةُ الْبَيْنِيَّةُ وَتَأَثَّرَتِ الْمَشَارِيعُ الزِّرَاعِيَّةُ عَلَى الْحُدُودِ، بَيْنَمَا بَقِيَتْ إِرِيتْرِيَا تُرَاقِبُ بِقَلَقٍ تَدَاعِيَاتِ النِّزَاعِ عَلَى أَمْنِ الْبَحْرِ الْأَحْمَرِ وَحَرَكَةِ الْمَوَانِئِ الَّتِي تُعَدُّ رِئَةً لِلْمِنْطَقَةِ بِأَسْرِهَا.
إِنَّ الِانْتِقَالَ إِلَى مَرْحَلَةِ “اقْتِصَادِ مَا بَعْدَ الْحَرْبِ” يَتَطَلَّبُ رُؤْيَةً شُمُولِيَّةً تَتَجَاوَزُ مُجَرَّدَ جَبْرِ الضَّرَرِ. فَتَكْلِفَةُ إِعَادَةِ الْإِعْمَارِ تُقَدَّرُ بِعَشَرَاتِ الْمِلْيَارَاتِ مِنَ الدُّولَارَاتِ، وَتَشْمَلُ إِعَادَةَ بِنَاءِ الْمُدُنِ، وَتَأْهِيلَ الْمَصَانِعِ، وَتَعْوِيضَ الْمُتَضَرِّرِينَ. وَرَغْمَ قَتَامَةِ الْمَشْهَدِ، إِلَّا أَنَّ السُّودَانَ يَظَلُّ أَرْضًا لِلْفُرَصِ الْبِكْرِ؛ فَالْقِطَاعُ الزِّرَاعِيُّ يُمْكِنُ أَنْ يَتَحَوَّلَ إِلَى قَاطِرَةٍ لِلنُّمُوِّ الْإِقْلِيمِيِّ، كَمَا أَنَّ الثَّرَوَاتِ الْمَعْدِنِيَّةَ وَالْمَوْقِعَ الِاسْتِرَاتِيجِيَّ عَلَى الْبَحْرِ الْأَحْمَرِ يَجْعَلَانِ مِنْ تَعَافِيهِ مَصْلَحَةً عُلْيَا لِكُلِّ دُوَلِ الْجِوَارِ. إِنَّ السُّودَانَ الْمُسْتَقِرَّ يَعْنِي سُوقًا وَاسِعَةً لِلْمُنْتَجَاتِ الْمِصْرِيَّةِ، وَمَمَرًّا آمِنًا لِنِفْطِ الْجَنُوبِ، وَمَصْدَرًا لِلِاسْتِقْرَارِ الْغِذَائيِّ لِتَشادَ وَإِثْيُوبْيَا.
السِّيناريُوهَاتِ الْمُحْتَمَلَةَ تُشِيرُ إِلَى أَنَّ الْإِرَادَةَ الْوَطَنِيَّةَ الْمَدْعُومَةَ بِشَرَاكَةٍ إِقْلِيمِيَّةٍ حَقِيقِيَّةٍ هِيَ الْوَحِيدَةُ الْقَادِرَةُ عَلَى تَحْوِيلِ حُطَامِ الْحَرْبِ إِلَى لَبِنَاتٍ لِبِنَاءِ نَهْضَةٍ جَدِيدَةٍ. لَقَدْ تَعَلَّمْنَا مِنَ التَّارِيخِ أَنَّ الشُّعُوبَ الَّتِي تَخْرُجُ مِنْ أَتُونِ النِّزَاعَاتِ تَكُونُ أَكْثَرَ إِصْرَارًا عَلَى الْبِنَاءِ، وَالسُّودَانُ، بِإِنْسَانِهِ الصَّبُورِ وَمَوَارِدِهِ الزَّاخِرَةِ، لَنْ يَكُونَ اسْتِثْنَاءً، بَلْ سَيَعُودُ لِيَلْعَبَ دَوْرَهُ الْمِحْوَرِيَّ كَقَلْبٍ نَابِضٍ لِلِاقْتِصَادِ الْأَفْرِيقِيِّ وَالْعَرَبِيِّ
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.