المعلم السوداني .. بين الإهانة والإفقار الممنهج!

بقلم: د. ياسر حسن مضوي

 

 

لا تقوم الدولة إلا بالتعليم ولا يقوم التعليم إلا بالمعلم ، المعلم هو المسؤول عن بناء وعي المواطن ونقل القيم وإعداد الأجيال فأي اعتداء على المعلم أو تهميش لدوره هو اعتداء مباشر على مستقبل الدولة نفسها.

 

إن المعلم في جميع دول العالم يحظى بالتقدير والاحترام والمكانة الرفيعة. وفي محيطنا الإفريقي يحتل المعلم قمة الهرم الاجتماعي. أما في السودان فالواقع مختلف. يواجه المعلم احتقاراً وإذلالاً وتجويعاً وإفقاراً ممنهجاً. الهدف من ذلك واضح ، دفع المعلمين لترك المهنة وإفراغ المدارس الحكومية من الكفاءات وتعطيل العملية التعليمية فيها. والنتيجة المباشرة لهذا المسار هي انسحاب الدولة من التعليم وفتح الباب أمام خصخصته.

 

واليوم نقف أمام وجهين لأزمة واحدة ، اعتداء مباشر على المعلم وتدهور ممنهج لوضعه المهني والمعيشي.

 

في مدرسة التدريب النموذجية بنين بمحلية كرري وأثناء فسحة الإفطار، قام اللواء معاش “عادل الطيب الأمين” المعتمد السابق للمحلية بصفع معلم اللغة الإنجليزية أمام الطلاب ثم أشهر سلاحه وهدد بإطلاق النار على المعلمين والتلاميذ ووصف المعلمين بألفاظ مسيئة منها “فاقد تربوي” و “أبناء فداديات” أي بائعات خمور.

 

هذه الحادثة ليست فردية. هي نتيجة مباشرة لتراجع مكانة المعلم في المجتمع وعند الدولة.

 

ما حدث في كرري امتداد لأزمة عمرها عقود.

كان المعلم في الستينات والسبعينات يتمتع باحترام اجتماعي وراتب يكفيه. ومنذ الثمانينات بدأ التراجع بسبب هيكلة معاهد المعلمين وهجرة الكفاءات.

وجاءت حرب أبريل 2023 لتضاعف الأزمة ، توقفت الدراسة، توقفت المرتبات، وتدمرت المدارس. وبحسب تقرير اليونسكو لعام 2024 فقد السودان أكثر من 40% من معلميه خلال عامين فقط.

 

أما اليوم، فبحسب هيكل 2025 يتراوح راتب المعلم بين 76 ألف جنيه و 220 ألف جنيه. وهو مبلغ لا يغطي الحد الأدنى لمعيشة أسرة. في المقابل، هناك قطاعات حكومية أخرى راتب أدناها أعلى من راتب أعلى درجة في سلم المعلمين.

 

وتزيد الأزمة بغياب تمثيل نقابي حقيقي. فالنقابات التي كان دورها الدفاع عن حقوق المعلمين تحولت إلى أجهزة تابعة للسلطة التنفيذية.

 

كما أن سياسات تقليص الإنفاق الحكومي والتوسع في التعليم الخاص تفتح الباب أمام خصخصة التعليم. وهذا يتعارض صراحة مع المادة 44 من الوثيقة الدستورية لسنة 2019 التي تلزم الدولة بمجانية التعليم الأساسي.

 

الاعتداء على المعلم اليوم هو نتيجة طبيعية لتجاهل الدولة له بالأمس. فالمعلم الذي يضرب عن العمل بسبب الجوع وتأخر الرواتب لشهور هو نفسه الذي يتعرض اليوم للضرب والإهانة. عندما لا توفر الدولة للمعلم راتباً يحفظ كرامته ولا حماية تصون هيبته فإنها تفتح الباب أمام الجميع للاعتداء عليه.

 

لا يمكن الحديث عن إعادة إعمار أو نهضة بعد الحرب دون البدء بملف التعليم. وأول خطوات الإصلاح هي إعادة الاعتبار للمعلم عبر راتب يكفيه وبيئة مدرسية آمنة وحماية قانونية واجتماعية.

 

الدولة التي لا تحترم معلمها لا يمكن أن تبني مستقبلاً.

yasirhsn5@gmail.com

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.