صفعاتٌ بلا أيدٍ.. قضايا المعلمين بين غضبة الأسافير والواقع المرير

مناهل أبو قصيص

ضجت الأسافير وتفاعلت بشكل واسع، واشتعلت منصات التواصل الاجتماعي غضباً واستنكاراً، حين أقدم أحد الألوية على صفع معلم داخل حرم إحدى المدارس في الخرطوم. كانت تلك الصفعة الجسدية بمثابة جرس إنذار أيقظ الضمير العام تجاه كرامة المعلم التي لا ينبغي المساس بها بأي حال من الأحوال. ولكن، هل تعلم أيها المواطن أن المعلم وأسرته يتلقون صفعات يومية، أشد قسوة وأعمق أثراً، دون أن تلتقطها عدسات الكاميرات أو تتصدر واجهات الرأي العام؟

أيها المواطن الشريف، إن قضايا المعلمين أكبر بكثير من حادثة فردية عابرة؛ إنها أزمة متجذرة تتمثل في صفعات الإهمال، وضعف العائد المادي، والبيئة المتردية. ففي كل شهر يحاول فيه المعلم تدبير شؤون منزله براتب هزيل لا يكفي لتغطية نفقات أربعة أيام، تتلقى كرامته صفعة. وفي كل مرة يقف فيها عاجزاً عن تلبية احتياجات أسرته الأساسية، يُصفع معنوياً مرات ومرات.

إن المطالب المرفوعة ليست منحة أو ترفاً، بل هي حقوق أصيلة يجب على وزارة التربية والتعليم وكل الجهات ذات الصلة المسارعة في معالجتها لضمان استقرار العملية التعليمية. إن هذه الحقوق واضحة وعادلة، وتتلخص في معالجة الخلل الهيكلي للمنظومة ككل، بدءاً من:

* الإنصاف المالي: عبر تعديل المرتب الأساسي الذي فقد قيمته الشرائية، وصرف المرتبات المتأخرة التي أثقلت كاهل الأسر، وتعديل بدلات الوجبة والسكن لتواكب الواقع الاقتصادي.

* الحقوق الإدارية والوظيفية: المتمثلة في تنفيذ الترقيات المعطلة وصرف فروقاتها، فضلاً عن صرف فروقات علاوة إزالة التشوهات ومنح الأعياد.

* الاستقرار الاجتماعي والصحي: من خلال إيجاد حل جذري وناجز لمشكلة التأمين الصحي، وتخفيف العبء عن كاهل هؤلاء المربين بإعفاء أبنائهم من الرسوم الدراسية.

* البيئة والحماية: إقرار “حصانة المعلم” التي تحميه من أي تجاوزات، جسدية كانت أو لفظية، والعمل الجاد على تحسين البيئة التعليمية لتكون حاضنة فعلية للإبداع والتنشئة السليمة.

إن الاستنكار المجتمعي لصفعة الخرطوم يثبت أن المجتمع لا يزال يحمل تقديراً عميقاً لرمزية المعلم، ولكن الواجب الوطني والأخلاقي يحتم علينا تحويل هذا الغضب المؤقت إلى دعم دائم لوقف الصفعات المعنوية والمادية اليومية.

إن نهضة الأمم لا تبدأ إلا من مقاعد الدراسة، ولا تتحقق إلا متى ما وقف المعلم شامخاً، عزيزاً، ومكتفياً. كرامة المعلم هي كرامة الوطن، ورد الاعتبار له يبدأ بتلبية مطالبه كاملة غير منقوصة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.