رفض القوى المدنية لحوار البرهان.. نقطة وعي

تيسير المبارك

ليست كل دعوة إلى الحوار طريقًا إلى السلام، كما أن رفض الحوار ليس دائمًا رفضًا للحلول السياسية. فهناك لحظات في تاريخ الشعوب يصبح فيها السؤال الأهم: من يدعو إلى الحوار؟ وعلى أي أساس؟ ولأي غاية؟
ومن هنا، فإن موقف عدد من القوى المدنية الرافضة للانخراط في الحوار الذي دعا إليه الفريق أول عبد الفتاح البرهان، لا يمكن اختزاله في كونه موقفًا سياسيًا عابرًا، بل يعكس في تقديري تطورًا في الوعي السياسي بعد سنوات من التجارب المريرة التي عاشها السودان.
لقد أثبتت التجربة أن الحوار الذي يُدار من طرف يملك السلطة والسلاح، من دون توافق واسع على قواعده وضماناته، يواجه تحديات كبيرة في كسب ثقة مختلف الأطراف. ولهذا، فإن التحفظ الذي تبديه بعض القوى المدنية يرتبط، وفق ما تعلنه، بتساؤلات حول طبيعة العملية السياسية، وضمانات استقلالها، وأهدافها النهائية.
الحوار الحقيقي لا يبدأ بتحديد من يشارك ومن يُستبعد، ولا بإصدار قوائم قبول ورفض، وإنما يبدأ عندما تصبح جميع الأطراف متساوية أمام طاولة التفاوض، وعندما تكون الأولوية لإنهاء الحرب ومعالجة جذور الأزمة، لا لإعادة ترتيب موازين القوة السياسية.
في رأيي، فإن القوى المدنية التي رفضت الانخراط في هذا المسار أرادت أن تبعث برسالة مفادها أن الشرعية السياسية لا تُبنى بالدعوات المنفردة، وإنما بالتوافق الوطني، وأن أي عملية سياسية لا تستند إلى أسس واضحة وشفافة قد تواجه صعوبة في إقناع الرأي العام بأنها تمثل بداية جديدة.
لقد تعلم السودانيون، بثمن باهظ، أن السياسة لا تُقاس بحجم الشعارات، بل بما تنتجه من واقع. وكم من مبادرات رفعت رايات الوفاق، لكنها انتهت إلى إعادة إنتاج الأزمة نفسها، لأنها لم تعالج أسبابها الحقيقية.
إن ما يلفت الانتباه في هذه المرحلة هو أن قطاعًا من القوى المدنية لم يعد ينظر إلى المشاركة السياسية باعتبارها هدفًا في حد ذاته، بل أصبح يربطها بجملة من المبادئ، مثل إنهاء الحرب، وضمان استقلال القرار المدني، وإقامة عملية سياسية تحظى بثقة أوسع.
وهذا، في تقديري، يمثل نقطة وعي أكثر منه مجرد موقف سياسي. فالوعي هنا يتمثل في إدراك أن أي تنازل عن المبادئ الأساسية قد يمنح شرعية لمسار لا يحقق التغيير المنشود، وأن المسؤولية الوطنية تقتضي التمييز بين الحوار بوصفه وسيلة لحل الأزمات، والحوار الذي قد يتحول إلى غاية في ذاته.
ولا يعني ذلك أن الأبواب يجب أن تُغلق أمام أي تسوية سياسية، فالسودان في أمسّ الحاجة إلى حوار يوقف الحرب ويؤسس لاستقرار دائم. لكن نجاح أي حوار يتوقف على مدى استقلاليته، وشموليته، وقدرته على معالجة جذور الأزمة، وليس فقط إدارة نتائجها.
السودان اليوم لا يحتاج إلى حوار يمنح غطاءً سياسيًا لواقع قائم، بقدر ما يحتاج إلى عملية سياسية تفتح أفقًا جديدًا أمام دولة تقوم على سيادة القانون، واحترام الإرادة الشعبية، وبناء مؤسسات تستمد مشروعيتها من التوافق الوطني لا من موازين القوة.
ولهذا، فإن رفض بعض القوى المدنية لهذا المسار، سواء اتفقنا معه أو اختلفنا حوله، يعكس أن الساحة السياسية السودانية لم تعد تتعامل مع المبادرات بمنطق ردود الفعل، وإنما بمنطق التجربة والذاكرة السياسية. فالشعوب التي دفعت أثمانًا باهظة تتعلم أن الشرعية لا تُمنح بسهولة، وأن الثقة لا تُبنى بالوعود، بل بالوقائع.
وربما تكون هذه هي الرسالة الأهم في هذه المرحلة: أن الوعي السياسي، مهما تعرّض للاختبار، يبقى الضمانة الأولى حتى لا يعيد السودان إنتاج أزماته تحت عناوين جديدة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.