الإخوان وأكاذيب الوطنية.. عندما تتحول «الشعارات» إلى مرآة للحقائق

تقرير ـ عين الحقيقة

في السودان، لم تعد معركة الشعارات أقل ضراوة من معركة السلاح. فمنذ اندلاع الحرب، ظل خطاب «الوطنية» و«الدفاع عن الدولة» حاضراً بقوة في خطاب التيار الإسلامي والقوى المرتبطة بالسلطة العسكرية، باعتبار الحرب معركة وجود تستوجب الاصطفاف خلف الجيش مهما كانت الكلفة. لكن التطورات الأخيرة، وما كشفته تحقيقات صحفية دولية وملفات استخباراتية عن برنامج مزعوم لتطوير ذخائر قائمة على غاز الكلور، أعادت فتح سؤال أكثر خطورة: هل يمكن أن تتحول الوطنية من قيمة لحماية المواطنين والدولة إلى غطاء لتبرير الانتهاكات؟
تحقيق نشرته نيويورك تايمز في 5 سبتمبر 2026 استند إلى نحو 150 وثيقة وصورة وفيديو ورسالة صوتية وآلاف الرسائل النصية، وقال إن ملفاً استخباراتياً قدم أدلة تعزز الاتهامات بوجود برنامج سري داخل الجيش السوداني لتطوير وإنتاج ذخائر تعتمد على الكلور خلال عام 2024. ووفق التحقيق، أشرف العميد طارق حسين على المشروع، الذي شمل اختبارات في صحراء مروي، قبل أن يصل الإنتاج إلى نحو 300 ذخيرة. كما أشار التحقيق إلى استخدام الكلور الذي تم الحصول عليه من مصادر مرتبطة بمحطات معالجة المياه. والأخطر أن القضية لم تعد مجرد اتهام سياسي متبادل بين أطراف الحرب. ففي يونيو 2025، أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية رسمياً أن حكومة السودان استخدمت أسلحة كيميائية بالمخالفة للقانون الدولي، وفرضت على الخرطوم عقوبات بموجب القانون الأمريكي الخاص بالأسلحة الكيميائية والبيولوجية.
الكيميائي.. حين تسقط الشعارات أمام الوقائع
في هذا السياق، تكتسب كلمات الإعلامية فاطمة علي سعيد دلالة سياسية وأخلاقية لافتة. وتقول في منشور صحفي: «الكيميائي يكشف عورتهم.. عندما تتحول الحقائق إلى مرآةٍ لا ترحم، حاولوا طويلًا تغطية عوراتهم بالشعارات، وتجميل الفشل بالخطابات، ودفن الحقيقة تحت ركام الأكاذيب». وترى سعيد أن جوهر المشكلة لا يتعلق فقط بما إذا كان السلاح الكيميائي قد استُخدم، وإنما بما يكشفه ذلك من تناقض بين الخطاب والممارسة: من يتحدث عن الدولة، ماذا فعل لحماية مؤسساتها؟ ومن يرفع شعار الوطنية، هل كانت حماية المدنيين جزءاً من حساباته؟ وتضيف: «أولئك الذين تحدثوا عن الوطنية وهم يمارسون عكسها، ورفعوا راية الدولة وهم يعبثون بمؤسساتها، وتحدثوا عن المصلحة العامة بينما يدفع المواطن وحده ثمن أخطائهم».
خبراء: استخدام الكلور كسلاح يغيّر طبيعة الجريمة
وتشير منظمة حظر الأسلحة الكيميائية إلى أن استخدام المواد الكيميائية السامة كسلاح محظور بموجب اتفاقية الأسلحة الكيميائية، بينما يوضح خبراء الحد من التسلح أن الكلور، رغم استخداماته المدنية الواسعة، يصبح سلاحاً كيميائياً عندما يُستخدم عمداً لإحداث أذى أو قتل. وقد وثقت تقارير سابقة أدلة على استخدام الكلور قرب مصفاة الجيلي في سبتمبر 2024.
وقالت إيدا ساوير، مديرة قسم الأزمات والنزاعات والأسلحة في منظمة هيومن رايتس ووتش، إن التقارير المتعلقة باستخدام الجيش السوداني لغاز الكلور «مقلقة للغاية»، مشيرة إلى أن استخدامه كسلاح محظور بموجب القانون الدولي. أما التحقيق الأحدث لـ«نيويورك تايمز»، فنقل عن متحدثة باسم منظمة حظر الأسلحة الكيميائية أن عدداً من الدول طلب من المنظمة الحصول على توضيحات من السودان بشأن الاتهامات المتعلقة باستخدام الأسلحة الكيميائية. وهنا تكمن أهمية القضية: المسألة لم تعد مجرد سجال إعلامي بين خصوم سياسيين، بل أصبحت مرتبطة بآليات دولية للتحقق والمساءلة.
من «حماية الدولة» إلى حماية السلطة
على مدى سنوات، استخدمت الحركة الإسلامية السودانية خطاب الوطنية باعتباره سلاحاً سياسياً ضد خصومها. فكل من يعارض الحرب يمكن اتهامه بأنه «ضد الدولة»، وكل من يطالب بوقف القتال يُتهم بإضعاف الجيش، وكل انتقاد للمؤسسة العسكرية يُقدَّم أحياناً باعتباره خدمة للخصم. لكن الوطنية، في معناها الحقيقي، لا تُقاس بعدد الأعلام المرفوعة ولا بحدة الخطابات، وإنما بمدى حماية الإنسان والدولة والقانون. الدولة ليست القيادة العسكرية وحدها، وليست الحزب السياسي، وليست التنظيم العقائدي. الدولة هي مؤسسات وقانون ومواطنون وحقوق عامة. ومن هذه الزاوية، فإن أي محاولة لاستخدام شعار «الوطنية» لتبرير انتهاك القانون الدولي أو تعريض المدنيين للخطر لا تحمي الدولة، بل تضعفها.
تحذيرات قبل الحرب وأسئلة بعد الحرب
وفي تطور متصل، قال القيادي بحزب الأمة القومي عروة الصادق إنهم قدموا قبل اندلاع الحرب تحذيرات وتقارير إلى القيادة العامة للقوات المسلحة بشأن تحركات وتجهيزات عسكرية، إلا أن بعض تلك التحذيرات قوبلت بالرفض ووُصفت بأنها «كلام فارغ». وتطرح هذه الرواية سؤالاً سياسياً مهماً: إذا كانت جهات مدنية قد حذرت من مخاطر التصعيد قبل الحرب، فكيف جرى التعامل مع تلك التحذيرات؟ ومع ظهور ملفات جديدة حول الأسلحة والذخائر والعمليات السرية، تصبح الحاجة أكبر إلى تحقيق مستقل لا يكتفي بتحديد المسؤوليات العسكرية المباشرة، وإنما يبحث أيضاً في سلسلة اتخاذ القرار، ومن أصدر الأوامر، ومن علم، ومن صمت، ومن حاول لاحقاً إخفاء الآثار.
«الوطنية» ليست حصانة
المشكلة الأساسية التي تكشفها قضية الكيميائي، بعيداً عن المواقف الحزبية، هي محاولة تحويل الوطنية إلى حصانة سياسية وأخلاقية. فالوطني الحقيقي ليس من يبرر كل شيء باسم الجيش، ولا من يصمت عن الانتهاكات خوفاً من اتهامه بالخيانة. الوطني هو من يرفض استخدام السلاح ضد المدنيين، ويرفض تحويل مؤسسات الدولة إلى أدوات للصراع السياسي، ويرفض الإفلات من العقاب، ويطالب بكشف الحقيقة أياً كان مرتكبها. وتؤكد التطورات الأخيرة أن ملف الأسلحة الكيميائية يحتاج إلى تحقيق دولي ومهني مستقل، خصوصاً أن الأدلة المنشورة تتحدث عن وثائق ورسائل وصور ومقاطع فيديو واختبارات ميدانية، بينما ينفي الجيش السوداني هذه الاتهامات ويصفها بأنها بلا أساس مادي.
إذا كانت الوطنية تعني حماية السودان، فالسؤال البسيط هو: من يحمي السودانيين من الحرب ومن الانتهاكات ومن تحويل مؤسسات الدولة إلى أدوات للصراع؟ أما الشعارات، مهما ارتفع صوتها، فلن تستطيع إلى الأبد أن تحجب الحقائق. الكيميائي ـ إن ثبتت الوقائع كاملة ـ لا يكشف فقط طبيعة سلاح، بل يكشف أزمة منظومة كاملة في مفهوم الوطنية: عندما تصبح حماية السلطة أهم من حماية الوطن، تتحول الوطنية نفسها إلى غطاء لأكبر الأكاذيب.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.