دارفور وكردفان: دقوا ناقوس الخطر قبل فوات الأوان
الجفاف يطرق الأبواب… فهل ننتظر المجاعة حتى نتحرك؟
تقول حكمة الشعوب المستمدة من التجارب التاريخية: “إذا وجدتم سعر اللحم أرخص من العيش، فثمة مجاعة آتية”. والمقصود بالعيش هنا الحبوب بمختلف أنواعها: الدخن والذرة والقمح وغيرها.
هناك أوقات يصبح فيها الصمت والانتظار خطراً. وما يحدث اليوم في دارفور وكردفان يستحق أن تُقرع بشأنه أجراس الإنذار قبل أن يصبح التحذير نعياً متأخراً.
الأمطار شحيحة، والموسم الزراعي يواجه ظروفاً صعبة، والحرب أنهكت الإنسان والأرض، بينما يعيش ملايين النازحين في ظروف قاسية، وتتآكل سبل كسب العيش، وترتفع أسعار الغذاء فوق قدرة كثير من الأسر.
إن اجتماع الجفاف والحرب والنزوح والفقر وتعطل الزراعة واضطراب الأسواق يجعل الوضع بالغ الخطورة. ولا نريد تكرار مأساة مطلع الثمانينيات. والمقصود هنا ليس إعلان المجاعة قبل أوانها أو إثارة الذعر، وإنما الاستعداد المبكر لاحتمال الأسوأ قبل أن يصبح واقعاً.
فالمجاعة لا تأتي فجأة؛ تبدأ بموسم زراعي ضعيف، ومراعي جافة، وماشية تفقد قدرتها على البقاء، وأسعار ترتفع، وأسر تبيع ما تملك، وأطفال لا يحصلون على غذائهم الكافي. وإذا تأخر التدخل، تتحول المؤشرات إلى كارثة.
وقد اطلعت في وسائل الإعلام على أن السيد رئيس وزراء حكومة السلام، السيد محمد حسن التعايشي، أصدر بيانين خاطب فيهما الأمم المتحدة محذراً من خطر المجاعة. وهذه خطوة مهمة تستحق التقدير، لأنها تعكس إدراكاً رسمياً لحجم الخطر.
لكن التحذير، مهما كانت أهميته، ينبغي أن يكون بداية للتحرك لا نهايته. ولذلك فإن المطلوب الآن هو ترجمة هذا التحذير إلى خطة استجابة عاجلة: إرسال فرق التقييم، ومعرفة المساحات التي زُرعت فعلياً، وحجم الضرر الذي أصاب المحاصيل، وتقدير الإنتاج المتوقع، وتحديد المناطق الأكثر عرضة للعجز الغذائي.
كما ينبغي الاستفادة بصورة عاجلة من صور الأقمار الصناعية والاستشعار عن بُعد، بالتعاون مع منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO) والجهات الدولية المختصة، لإعداد خريطة إنذار مبكر تربط بين الأمطار والزراعة والأسواق والنزوح والثروة الحيوانية وقدرة السكان على الوصول إلى الغذاء.
وعلى حكومة السلام أن تواصل مخاطبة الأمم المتحدة ووكالات الإغاثة والمانحين، وفي مقدمتها منظمة الأغذية والزراعة وبرنامج الأغذية العالمي ومكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، وأن تطلب الدعم قبل أن تتحول الاحتياجات إلى كارثة واسعة يصعب احتواؤها.
فالمجاعة لها معايير فنية محددة، وإعلانها يحتاج إلى أدلة وتقييمات موثوقة. لكن عدم بلوغ تلك المعايير لا يعني الانتظار. الاستجابة الذكية تبدأ عند ظهور المؤشرات، لا عند بلوغ الكارثة ذروتها.
دارفور وكردفان دفعتا ثمناً باهظاً من الحرب، ولا ينبغي أن يدفع أهلهما ثمناً آخر من الجفاف والجوع. هناك أطفال لا يعرفون شيئاً عن السياسة أو أسباب الحرب؛ كل ما يعرفونه أن الطعام يجب أن يكون موجوداً عندما يجوعون.
لذلك، المطلوب الآن واضح: راقبوا، قيّموا، استعدوا، وتدخلوا. أرسلوا فرق التقييم، استخدموا الأقمار الصناعية، راقبوا الأمطار والمحاصيل والأسواق، احصروا الاحتياجات، خاطبوا المجتمع الدولي، واحشدوا الموارد.
إن دق ناقوس الخطر ليس تشاؤماً ولا تجارة بالأزمات؛ إنه واجب أخلاقي ومسؤولية تجاه إنسان دارفور وكردفان. فالذي يحذر من الحريق قبل أن يلتهم البيت لا يريد للبيت أن يحترق، بل يريد إنقاذه. وإذا كانت هناك فرصة لمنع المجاعة، فأفضل وقت لاستعمالها هو الآن.
Prev Post
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.