الأبيض تحت المجهر الحقوقي: توثيق أممي للعنف الجنسي والاحتجاز التعسفي في مرافق الجيش
يوسف عزالدين
كشف تقرير البعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق بشأن السودان، الصادر في 28 أكتوبر، عن واحدة من أخطر حلقات الانتهاكات المرتبطة بالحرب في السودان؛ إذ لم تعد الانتهاكات تقتصر على ساحات المعارك، بل امتدت إلى زنازين الاحتجاز في مدينة الأبيض بولاية شمال كردفان، وعلى أيدي عناصر يُفترض أن تكون مهمتها الأولى حماية المواطنين.
وتحدثت البعثة عن معلومات موثوقة بشأن تعرض نساء محتجزات في الأبيض للتحرش والتهديد والإكراه الجنسي على أيدي أفراد من الخلايا الأمنية التابعة للجيش. وهي اتهامات صادمة بكل المقاييس، إذ أُفيد بمطالبة محتجزات بممارسة أفعال جنسية مقابل الإفراج عنهن، أو الحصول على معاملة تفضيلية، أو حتى السماح لهن بزيارة أفراد أسرهن. والأكثر فداحة أن بعض هؤلاء المحتجزات كن أمهات برفقة أطفالهن الرضع، في مشهد يجرد الاعتقال من أي مبرر أمني مشروع، ويكشف عن انتهاكات بالغة الخطورة تمس الكرامة الإنسانية.
إن العقيدة الأمنية لأي دولة تقوم على مبدأ بسيط: القوات النظامية وُجدت للحماية لا للانتهاك. فمهمتها حماية المدنيين لا ابتزازهم، وصون كرامتهم لا المساس بها، وتطبيق القانون لا استغلال غيابه. لكن ما وثقته البعثة في الأبيض يقلب هذه المعادلة تماماً. فالاحتجاز التعسفي، والحرمان من التمثيل القانوني، والاحتجاز لفترات طويلة دون رقابة قضائية فعالة، فضلاً عن التعذيب والإهانات لانتزاع الاعترافات، كلها ممارسات تنتهك القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، وترقى، وفقاً لتقييم البعثة، إلى جرائم حرب.
والأخطر أن الاستهداف لم يكن عشوائياً. فالتقرير يؤكد أن القوات المسلحة والأجهزة الأمنية والقوات المتحالفة معها استهدفت مدنيين على أساس الاشتباه في وجود صلات لهم بقوات الدعم السريع، أو بسبب انخراطهم في أنشطة مدنية وحقوقية، أو لمجرد اعتبارهم غير موالين سياسياً لسلطات الأمر الواقع في بورتسودان.
أي أن معيار الاعتقال لم يعد ارتكاب فعل مجرّم، بل أصبح الرأي والانتماء السياسي ومجرد الاشتباه.
ما يحدث في الأبيض ليس حادثة معزولة، بل يعكس نمطاً من الممارسات المرتبطة بالخلايا الأمنية التي تشكلت في ظل الحرب.
فهذه الخلايا تعمل، بحسب ما تكشفه الوقائع الموثقة، في ظل غياب الضوابط القانونية والرقابة القضائية وآليات الشكاوى الفعالة، بما يمنح عناصرها سلطة واسعة على مصائر المحتجزين.
والسلطة المطلقة، كما يقول التاريخ، مفسدة مطلقة. وعندما تقترن بثقافة الإفلات من العقاب، تتحول أماكن الاحتجاز إلى مساحات مغلقة للابتزاز والانتقام.
إن احترافية القوات النظامية تُقاس بمدى التزامها بالقانون في أحلك الظروف، لا في أوقات السلم وحدها. فاحترام المرأة المحتجزة، وحماية الأم وطفلها، وضمان حق المحتجز في الاستعانة بمحامٍ والمثول أمام قاضٍ، ليست امتيازات أو منّة، بل حقوق أساسية وجوهر شرعية المؤسسات الأمنية.
وعندما تُنتهك هذه المبادئ، تفقد القوات النظامية شرعيتها الأخلاقية قبل القانونية، وتتحول من رمز للسيادة إلى عبء على الدولة والمجتمع.
إن ما يطالب به السودانيون ليس مستحيلاً؛ فحماية النساء في أماكن الاحتجاز، ووقف الاعتقالات التعسفية، وفتح أبواب مراكز الاحتجاز أمام الهيئات المستقلة لإجراء مقابلات سرية مع المحتجزين، والتحقيق الجاد في الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عن العنف الجنسي والتعذيب، كلها خطوات ضرورية لضمان العدالة ومنع تكرار الجرائم.
وهذه المطالب تتسق مع ما تدعو إليه البعثة الدولية، وهي ذاتها تطلعات كل أم سودانية تريد الاطمئنان إلى أن ابنتها لن تتعرض للابتزاز الجنسي مقابل حريتها. فالدولة لا تُبنى بالخوف ولا بالخلايا الأمنية، بل بسيادة القانون. والقوات النظامية التي ينشدها السودانيين في المستقبل هي قوات تحمي ولا تنتهك، وتصون ولا تبتز، وتحترم كرامة المواطن، حتى إن كان خصماً سياسياً.
ما جرى في الأبيض جرس إنذار لا يمكن تجاهله.. فإما العودة إلى مفهوم القوات النظامية بوصفها مؤسسات لحماية المواطنين وصون حقوقهم، وإما الغرق في مستنقع الانتهاكات والإفلات من العقاب، الذي لن ينجو من عواقبه أحد.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.