ورقة نقدية لمواجهة الخطاب الحربي للإسلاميين بعد فشل أهداف تكتيك حرب الفوضى..«حين ينتقد الإسلاميون أنفسهم: لماذا يخاف التنظيم من المراجعة؟»
عبدالحافظ سعد الطيب
مقدمة
لم تعد أزمة الخطاب الإسلامي في السودان أزمة خصومة سياسية، بل أزمة شرعية فكرية وأخلاقية بعد تجربة حكم طويلة انتهت إلى انهيار الدولة، تمزق المجتمع، وحرب شاملة. وتزداد خطورة اللحظة الراهنة مع محاولات إعادة تدوير الخطاب نفسه دون مراجعة حقيقية.
تنطلق هذه الورقة من نقد غير متشنح ، مستندة إلى مراجعات مفكرين إسلاميين سودانيين وعرب، في مقدمتهم
د. خالد التجاني النور
و . المحبوب عبد السلام،
بوصفهما نموذجين لمراجعة التجربة الإسلامية من داخلها، لا من موقع العداء للدين، بل دفاعًا عن مقاصده وأخلاقيته.
أولًا: طبيعة الخطاب الإسلامي الراهن
1. خطاب المظلومية
يعتمد الإسلاميون اليوم على تقديم أنفسهم كضحايا:
مؤامرة دولية
استهداف للدين
إقصاء متعمد من المشهد السياسي
النقد: هذا الخطاب يتجاهل حقيقة أن الإسلاميين حكموا السودان بسلطة كاملة، وامتلكوا الدولة وأجهزتها، ويتنصل من مسؤولية تاريخية لا يمكن القفز فوقها.
2. الخلط المتعمد بين الإسلام والإسلاميين
يتم تقديم أي نقد للتجربة باعتباره:
عداءً للإسلام
تهديدًا للهوية
استهدافًا للشريعة
النقد: هذا خلط تضليلي؛ فالإسلام أوسع وأعمق من أي تنظيم سياسي، وتجربة الحكم لا تمثل الدين بقدر ما تمثل اجتهادًا بشريًا فاشلًا.
ثانيًا: النقد البنيوي للتجربة الإسلامية
تمهيد
يمثل نقد المفكرين الإسلاميين للتجربة السودانية انتقالًا من تبرير السلطة إلى تفكيك بنيتها الفكرية. وفي هذا السياق، تلتقي مراجعات د. خالد التجاني النور ود. المحبوب عبد السلام عند تشخيص الفشل بوصفه فشلًا بنيويًا لا عرضيًا.
1. شرعنة الاستبداد باسم الدين
يرى د. خالد التجاني النور أن الانقلاب العسكري عام 1989 شكّل القطيعة الأخلاقية الأولى مع أي تصور إسلامي للحكم، حيث جرى:
تحويل فقه الضرورة إلى أداة دائمة
تبرير مصادرة الإرادة الشعبية باسم المشروع الحضاري
ويذهب . المحبوب عبد السلام في مراجعاته إلى أن الحركة الإسلامية:
▪استبدلت مبدأ الشورى بالتمكين
▪وقدّمت التنظيم على الأمة
▪وخلطت بين الدعوة والسلطة خلطًا مفسدًا
📌النتيجة، وفق الاثنين، كانت دولة بلا شرعية أخلاقية، مهما رفعت من شعارات دينية.
ووفقاً للدكتور الترابي لايصلحون حتى للدعوة
2. فشل نموذج الدولة الرسالية
يفكك د. خالد التجاني مفهوم “الدولة الرسالية” بوصفه تصورًا مثاليًا غير قابل للتحقق في الدولة الحديثة، لأنه:
▪يصادر التعدد
▪يحوّل الدولة إلى وصي أخلاقي
▪يفتح الباب للاستبداد
أما د. المحبوب عبد السلام، فيقرّ في مراجعاته بأن:
▪الدولة لا يمكن أن تكون أداة تربية إيمانية
▪وأن تحميلها وظيفة الدعوة أفسد السياسة وأضعف الدين معًا
▪وهكذا تحولت الشريعة من منظومة قيم إلى خطاب شرعنة للسلطة.
3. غياب النقد الذاتي
يشدد المفكران على أن أخطر ما واجه التجربة هو:
▪تأجيل المحاسبة
▪تقديس القيادة
▪تحويل التنظيم إلى بنية مغلقة
يرى خالد التجاني أن غياب النقد الذاتي حوّل الفشل إلى قدر متكرر،
بينما يذهب المحبوب عبد السلام إلى أن الاعتراف المتأخر لا قيمة له دون تفكيك البنية التنظيمية التي أنتجت الخطأ.
ثالثًا: الإسلاميون والدولة الوطنية
▪أزمة الانتماء
▪ظل الخطاب الإسلامي مترددًا بين:
▪الأمة العابرة للحدود
الدولة الوطنية الحديثة
النتيجة:
▪هشاشة الدولة
▪صراعات هوية
▪فشل إدارة التنوع
السودان كان الضحية الأكبر لهذا التردد.
رابعًا: تفكيك خطاب ” المابعدوية
يروج الإسلاميون اليوم لفكرة العودة إلى المشهد بعد تكتيك حرب الفوضى والحريق الشامل بوصفهم:
▪الضامن للاستقرار ووحدهم من يقرر إيقاف الحرب
▪حماة الهوية
▪البديل للفوضى
النقد: لا يمكن لمن تسبب في الانهيار والحريق أن يقدم نفسه كمنقذ دون:
اعتراف صريح بالفشل
محاسبة داخلية وعامة
قطيعة فكرية مع الماضي
خامسًا: البديل الذي تطرحه هذه الورقة
▪استنادًا إلى مراجعات د. خالد التجاني:
▪الإسلام قيمة أخلاقية لا أيديولوجيا حكم
▪الدولة إطار مواطنة لا وصاية دينية
▪الديمقراطية شرط أخلاقي لا أداة تكتيكية
▪الشرعية تُستمد من الشعب لا من التأويل الديني
خاتمة
إن أخطر ما يواجه السودان اليوم ليس فقط الحرب، بل محاولة إعادة تدوير خطاب فشل في بناء دولة وأخفق في صيانة الدين نفسه. مواجهة هذا الخطاب لا تكون بالاستقطاب، بل بكشف تناقضاته، وتحميله مسؤوليته التاريخية، وفتح أفق جديد يفصل بين قدسية الدين وبشرية السياسة.
ما فشل مرة بلا محاسبة، سيفشل دائمًا إذا عاد بلا مراجعة.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.