لم تعد تدخلات تركيا في الدول العربية مجرد أحداث عابرة، بل غدت مصدر قلق متزايد لكل من يتابع مسارات الصراعات في المنطقة. فكلما حضرت أنقرة سياسياً أو عسكرياً في بلد عربي، ازداد المشهد تعقيداً، وطال أمد الصراع، واتسعت رقعة الفوضى، بما يرسّخ أشكالاً من الانقسام داخل الدولة. هذا النمط المتكرر يفرض تساؤلاً مُلحّاً: هل هي أخطاء متراكمة وسوء تقدير، أم نحساً وسوء حظ ملازماً لهذه التدخلات، أم سياسة مدروسة تقوم على استثمار الصراعات المحلية لصناعة الفوضى بدل السعي إلى إنهائها؟ والأهم من ذلك، هل يمكن قراءة هذا السلوك ضمن استراتيجية أوسع تهدف إلى فتح أسواق دائمة للسلاح، وتكريس النزاع كفرصة نفوذ لا كأزمة تستوجب الحل؟
تركيا، كدولة إقليمية قوية ذات أغلبية مسلمة واقتصاد متقدم، كان بإمكانها أن تكون شريكاً إيجابياً في المنطقة العربية المسلمة. لكن خلال العقدين الماضيين، اختارت طريقاً آخر. بعد ان لاح لها فشل مساعيها للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، التي جُمدت في 2018 بسبب عدم استيفاءها لشروط الانضمام، أو بالأحرى بسبب مخاوف بعض الدول الأوروبية من توجهات تركيا الاسلامية والتوسعية، انحرفت بوصلتها الإمبراطورية جنوباً نحو العالم العربي. فحصلت تركيا على صِفة مراقب في جامعة الدول العربية عام 2011، لكن هذا التقارب سرعان ما تلاشى بعد تدخُلاتها المباشرة في الشأن العربي، خاصة في سوريا، مما أدى إلى فقد الثقة العربية في نواياها، وتجميد الصِفة عملياً دون إعلان رسمي.
بدأت تركيا، في السنوات الأخيرة، تتدخل في شؤون عدد من الدول العربية تحت ذريعة الحرص على أمن المسلمين والدفاع عن استقرارهم. غير أنّ هذا الادعاء يثير قدراً كبيراً من الشك حين يُقارن بطبيعة السلوك التركي على الأرض؛ فالدولة التي تزعم السعي إلى السلام كان الأولى بها أن تؤدي دور الوسيط المحايد في النزاعات، لا أن تتحول إلى طرف مباشر فيها، منحازٍ لطرف دون آخر، ومساهِمٍ في تعقيد الصراعات بدل احتوائها.
في سوريا، دخلت تركيا تحت غطاء الأمن القومي، لكنها دعمت فصائل مسلحة إسلامية مرتبطة بها، وأقامت مناطق نفوذ، ما زاد من الانقسامات وأطال أمد الحرب وأعاق الحلول.
نفس النهج تكرر في ليبيا، حيث قلب الدعم العسكري التركي موازين القوى لصالح الحكومة المحسوبة للتيار الإسلامي والمرتبطة بها، لكنه عمق الانقسام بين الشرق والغرب الليبي، وثبَّت الانقسام الاداري. وبعد أن تحقق ذلك وقفت تركيا متفرجة دون تقديم خطوات جادة منها للتوحيد.
أما في اليمن، فكان دور تركيا غير مباشر ضمن اصطفافات أيديولوجية أوسع، لكنه عزز انقسام البلد الفقير إلى حكومتين. ثم وقفت تركيا متفرجة أمام الانقسام.
أما في الصومال، فيبدو الدور التركي مختلفاً نوعاً ما، لكنه في سياق الاسلوب نفسه. تركيا موجودة عسكرياً واقتصادياً، تدير أكبر قاعدة تدريب أجنبية هناك، وتمتلك نفوذاً كبيراً في المؤسسات السياسية والاقتصادية. رغم الشعارات التنموية، يثير هذا الوجود مخاوف من تحويل الصومال إلى ساحة نفوذ دائمة في بلد هش يعاني الانقسام الشكلي منذ 1991، إلى أن اعترفت به إسرائيل نهاية 2025. تركيا رفضت هذا الاعتراف، وأكدت التزامها بوحدة الصومال من خلال اتفاقيات طاقة ومشاريع موانئ. هذا الرفض يعكس كيف تستفيد تركيا من التناقضات، وكيف تستخدم نفوذها للحفاظ على الفوضى المنضبطة بدلاً من البحث عن حل يخمد المشكلة من جذوزها.
تدخلت تركيا في دولة قطر لحمايتها من تهديدات محتملة لاحتلالها من بعض جيرانها، وقد نجحت في ذلك، ووفرت لها مظلة ردع. غير أنّ هذا الدور، سرعان ما تحول إلى نفوذ ضاغط، ووسيلة تأثير سياسي واقتصادي، يقترب في بعض جوانبه من ابتزاز غير معلن لدولة صغيرة غنية، بما يطرح تساؤلات حول كُلفة هذه “الحماية” على استقلال القرار السيادي.
في السودان، حيث الحرب الدائرة منذ أبريل 2023 بين الجيش السوداني، المدعوم من جماعات الإسلام السياسي الحاكمة، وقوات الدعم السريع المدعومة من أبناء الهامش. تركيا تُقدِم دعم عسكري مباشر للجيش، بما في ذلك توريد الطائرات المُسيَّرة مثل بيرقدار أكانجي و بيرقدار TB2، التي ساعدت في تقدم مرحلي للجيش، وتغيير موازين بعض المعارك، لكنها تسببت أيضاً في مقتل الآف المدنيين الابرياء، لكن عدداً من هذه المُسيَّرات تم أسقاطها ميدانياً من قبل قوات الدعم السريع، ما شكل ضربة قوية لصورة تفوق الصناعة التركية التي روجت لها أنقرة. هذا الإسقاط لم يكن مجرد خسارة عسكرية فحسب، بل كشف لهشاشة البيرقدار “الأسطورة” فخر الصناعات العسكرية التركية. هناك اتهامات أيضاً بأن تركيا تلعب على الجانبين، مع بيع أسلحة لكلا الطرفين، مما يطيل الأزمة ويمنع حلاً شاملاً. مما يستدعي طرح السؤال: كيف تخدم هذه التدخلات مصالح تركيا أكثر من استقرار السودان.
لا يمكن تجاهل البعد الأيديولوجي في كل ذلك. تركيا أصبحت ملاذاً لإعداد كبيرة من عملاءها أعضاء وقيادات الإخوان المسلمين الهاربين من بلدانهم، توفر لهم منصات إعلامية وسياسية، مستخدمة الإسلام السياسي كأداة للتأثير الإقليمي. هذا النهج ليس بريئاً، بل جزء من مشروع امبراطوري لإعادة انتاج التاريخ، لتحقيق حلم اوردوغان ان يصبح سلطان على الدولة العثمانية الحديثة، معتمداً على العملاء من التنظيم العالمي للإخوان المسلمين، للسيطرة على بلدانهم بعد اضعافها واغراقها في الفوضى.
ومن النماذج السابقة، لو كان التدخل التركي في المنطقة قائماً على احترام إرادة الشعوب وخياراتها، لكان من الممكن تفهُّمه واحترامه في حال انحياز تركيا إلى حكومات منتخبة شرعياً. إلا أن الواقع يُظهر حقيقة مغايرة، إذ دائماً ما يأتي الدعم التركي موجهاً إلى قوى غير منتخبة، وغير شرعية وان ادعت ذلك، يجمعها بتركيا الانتماء الأيديولوجي إلى تيار الإسلام السياسي، وتحديداً جماعة الإخوان المسلمين.
هذا السلوك لا يكتفي بإضعاف مصداقية النوايا التركية في المنطقة، بل يعزز الشكوك حول حقيقة هذه النواياه، ويغذي الاعتقاد بأن تلك التدخلات ليست مدفوعة باعتبارات أخلاقية أو إنسانية، بقدر ما تعكس مشروعاً سياسياً توسعياً، يستعيد منطق النفوذ الإمبراطوري بثوب أيديولوجي معاصر.
اخيراً، ما نشهده ليس اخطاءً غير مقصودة، أو نحساً عابراً، بل نهجاً مدروساً بعناية: تدخُل تركي يدعم جماعات إسلامية محددة، يُضعِف الدولة، يُطيل أمد الصراع، ويترك البلاد منقسمة في فوضى.
السؤال لم يعُد عن فشل الدول التي تتدخل فيها تركيا، بل لماذا تتكرر النتيجة نفسها في كل مرة تتدخل فيها تركيا؟ وهو ما يجعل من الصعب النظر إلى تركيا كشريك موثوق في بناء الاستقرار، بقدر ما يُنظر إليها كقوة تسعى إلى ترسيخ نفوذها، ولو كان الثمن فوضى مستدامة في جوارها العربي المسلم.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.