“الكذب المقدس” في تجربة الإسلاميين بالسودان… من فقه الضرورة إلى منهج حكم
الخرطوم – عين الحقيقة
في قراءة نقدية لافتة، وجّه الكاتب السوداني خالد أبو أحمد اتهامات مباشرة للحركة الإسلامية في السودان بتحويل الكذب من أداة ظرفية إلى “عقيدة سياسية” متكاملة، تُدار بها مفاصل الدولة، بما يشمل الإعلام والاقتصاد والخطاب الديني.
من “فقه الضرورة” إلى ممارسة يومية
وفي مقال نشره عبر صحيفة إدراك، يرى أبو أحمد أن التجربة الإسلاموية منذ وصولها إلى السلطة اعتمدت على ما يُعرف بـ“فقه الضرورة” لتبرير ممارسات سياسية وإعلامية، كان أبرزها تزييف الحقائق. غير أن هذا التبرير – بحسب الكاتب – لم يبقَ مؤقتاً، بل تطور ليصبح منهجاً دائماً، تُصاغ عبره السياسات وتُدار به مؤسسات الدولة.
ويشير إلى أن الإعلام الرسمي خلال سنوات حكم النظام السابق ظل يروّج لخطاب “الاكتفاء الذاتي” والنهضة الزراعية، في وقت كانت فيه قطاعات الإنتاج، وعلى رأسها الزراعة، تواجه أزمات حادة من تراجع الإنتاج والجفاف وضعف البنية التحتية.
اعترافات من داخل التيار
من أبرز النقاط التي استند إليها الكاتب، ما وصفه بـ“الاعترافات النادرة” من داخل التيار الإسلامي نفسه، مستشهداً بتصريحات منسوبة للصحفي إسحاق أحمد فضل الله، أقرّ فيها بتعمده نشر معلومات غير دقيقة في إطار ما سماه “القتال المعنوي”. ويرى أبو أحمد أن مثل هذه التصريحات تعكس أن الكذب لم يكن مجرد أخطاء فردية، بل أداة منظمة ضمن خطاب تعبوي ممنهج.
إنكار الوقائع في الأحداث المفصلية
ويذهب الكاتب إلى أن هذه الذهنية ظهرت بوضوح في التعامل مع أحداث مفصلية في تاريخ السودان الحديث، خاصة خلال احتجاجات 2019، حيث – بحسب طرحه – سعت الرواية الرسمية إلى التشكيك في الوقائع الموثقة، عبر سرديات بديلة تتحدث عن “مندسين” أو تبريرات متناقضة. كما أشار إلى واقعة إنكار تصريحات موثقة لبعض القيادات السياسية، قبل أن تُعاد تداولها لاحقاً بالصوت والصورة، ما زاد من فجوة الثقة بين الشارع والخطاب الرسمي.
الاقتصاد… بين الوعود والواقع
وفي الجانب الاقتصادي، يرى أبو أحمد أن الخطاب الرسمي ظل يقدّم وعوداً متكررة بإصلاح مشاريع استراتيجية مثل مشروع الجزيرة، دون أن تنعكس هذه الوعود على الواقع. وفي المقابل، واجه المواطنون أزمات متصاعدة في الوقود والخبز، إلى جانب تدهور قيمة العملة الوطنية، في وقت استمر فيه الخطاب الإعلامي في الترويج لإنجازات وصفها الكاتب بـ“الورقية”.
“تسييس المشاعر” واستخدام الرمزية
ويتهم الكاتب النظام السابق بتوظيف الرمزية العاطفية في الخطاب السياسي، عبر استدعاء مفاهيم الشهادة والتضحية، بما يخدم – حسب رأيه – أهداف التعبئة السياسية، معتبراً أن ذلك يعكس “تسييساً للمشاعر العامة” وتوظيفها في سياقات دعائية.
سياق سياسي متوتر
تأتي هذه الانتقادات في ظل استمرار التوترات في السودان، وتصاعد حالة الاستياء الشعبي نتيجة الحرب الدائرة، والانتهاكات المرتبطة بها، إلى جانب مطالب متزايدة بمحاسبة القوى السياسية والعسكرية على أدوارها في إدارة البلاد خلال العقود الماضية.
قراءة في أسباب السقوط
ويخلص أبو أحمد إلى أن سقوط المشروع الإسلاموي في السودان لم يكن نتيجة عوامل اقتصادية أو سياسية فقط، بل – بحسب وصفه – نتيجة “خلل بنيوي” قائم على غياب الشفافية وتضارب الخطاب مع الواقع.
ويستشهد في هذا السياق بطرح المفكر السوداني حيدر إبراهيم علي، الذي أشار إلى أن الحركة الإسلامية لم تضلل المجتمع فحسب، بل وقعت في تناقضات داخلية أضعفت مشروعها من الداخل. في المحصلة، يقدم المقال قراءة نقدية حادة لتجربة الإسلاميين في الحكم، تضع مسألة “المصداقية” في قلب التقييم السياسي. وبينما يظل الجدل قائماً حول هذه الطروحات، فإنها تعكس اتجاهاً متنامياً في الخطاب السوداني، يدعو إلى مراجعة شاملة لتجارب الحكم السابقة، وربطها بمعايير الشفافية والمساءلة في المستقبل.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.