الإضرابات تحاصر بورتسودان.. هل تجبرها احتجاجات العاملين على التراجع عن سياساتها الاقتصادية؟
تقرير – عين الحقيقة
تدخل الأزمة الاقتصادية في السودان طوراً أكثر تعقيداً مع انتقال الغضب من الأسواق والمنازل إلى مواقع العمل، وظهور الإضرابات والاحتجاجات المطلبية كأحد أبرز أشكال الاعتراض على تدهور الأوضاع المعيشية، في وقت تواجه فيه حكومة بورتسودان ضغوطاً متزايدة لتوفير الموارد اللازمة لتمويل الدولة والحرب. وبين ارتفاع الأسعار، وتراجع القوة الشرائية للجنيه، وزيادة الرسوم والضرائب، وضعف الأجور وتأخر بعض المستحقات، يجد العاملون في قطاعات مختلفة أنفسهم أمام فجوة متسعة بين الدخل وتكلفة الحياة. ومع تصاعد المطالب بتحسين الأجور وتسوية الحقوق المالية، يبرز السؤال: هل تستطيع موجة الإضرابات إجبار حكومة بورتسودان على مراجعة سياساتها الاقتصادية، أم أن ظروف الحرب ستدفعها إلى التمسك بإجراءاتها مهما بلغت كلفتها الاجتماعية؟
من أزمة معيشية إلى احتجاجات منظمة
لم يعد ارتفاع تكاليف المعيشة مجرد أرقام تظهر في أسعار العملات أو الأسواق، وإنما تحول إلى أزمة يومية بالنسبة إلى قطاعات واسعة من السودانيين. فالزيادة المستمرة في أسعار الغذاء والنقل والدواء والخدمات، بالتزامن مع ضعف الأجور، تعني أن دخول كثير من العاملين فقدت جزءاً كبيراً من قيمتها الحقيقية.
وفي المقابل، تعاني الحكومة نفسها من تراجع الإيرادات واضطراب النشاط الاقتصادي وخروج أجزاء واسعة من الاقتصاد عن الدورة الطبيعية بسبب الحرب، ما دفعها إلى البحث عن موارد إضافية عبر الضرائب والرسوم والجمارك وغيرها من أدوات التحصيل. لكن هذه المعادلة بدأت تصطدم بقدرة المواطنين والقطاع الخاص على تحمل المزيد. ويقول اقتصاديون إن الإضرابات في مثل هذه الظروف لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مجرد خلافات حول الأجور، بل باعتبارها مؤشراً على وصول قطاعات من العاملين إلى حدود يصعب معها الاستمرار بالرواتب الحالية.
لماذا تتسع دائرة الغضب؟
تواجه حكومة بورتسودان معضلة اقتصادية قاسية: فهي تحتاج إلى المزيد من الإيرادات في الوقت الذي ينكمش فيه الاقتصاد وتتراجع فيه قدرة المواطنين والمؤسسات على دفع المزيد. وتعتمد أي زيادة في الإيرادات عبر الرسوم والضرائب والجمارك في النهاية على اقتصاد يستطيع تحملها، بينما يؤدي الإفراط في فرض الأعباء إلى رفع تكلفة الإنتاج والاستيراد، ومن ثم انتقال جزء كبير منها إلى المستهلك. وتزامنت الضغوط المعيشية مع زيادات في عدد من الرسوم الحكومية، بينما واصل سعر صرف الجنيه تراجعه أمام العملات الأجنبية.
ويؤدي انخفاض قيمة العملة إلى زيادة تكلفة السلع المستوردة والمواد الخام، الأمر الذي ينعكس على الأسعار المحلية ويضغط بصورة إضافية على أصحاب الدخول الثابتة. وبذلك يجد الموظف نفسه أمام معادلة شديدة القسوة: راتب شبه ثابت في مواجهة أسعار متحركة باستمرار.
الإضراب.. آخر أوراق الموظفين؟
يرى خبراء في الاقتصاد والعمل النقابي أن اللجوء إلى الإضراب عادة ما يأتي عندما تفشل قنوات التفاوض التقليدية أو عندما تصبح الزيادات المحدودة في الأجور غير قادرة على مواكبة تكلفة المعيشة. وبالنسبة إلى الموظفين والعاملين في القطاع العام، تبدو الخيارات محدودة، إذ لا يستطيع معظمهم تعويض تراجع قيمة رواتبهم عبر رفع أسعار خدماتهم كما يحدث في القطاع التجاري. ويشير خبير اقتصادي إلى أن «المشكلة ليست فقط في مستوى الراتب الاسمي، وإنما في قيمته الحقيقية؛ فقد يحصل الموظف على الرقم نفسه كل شهر، لكن قدرته على شراء الغذاء والدواء ودفع تكاليف النقل تتراجع مع كل موجة جديدة من ارتفاع الأسعار». ولهذا تصبح زيادة الرواتب بالنسبة إلى العاملين مسألة مرتبطة بالقدرة على الاستمرار وليس مجرد مطلب لتحسين مستوى الرفاه.
الحكومة أمام معادلة صعبة
لكن الاستجابة لمطالب العاملين ليست سهلة أيضاً. فرفع الأجور بصورة كبيرة يحتاج إلى موارد مالية مستدامة، بينما تعاني المالية العامة من اختلالات ضخمة بسبب الحرب وتراجع النشاط الاقتصادي والإنفاق الأمني والعسكري الكبير. وفي حال لجأت الحكومة إلى تمويل زيادة الرواتب دون موارد حقيقية، فإن ضخ المزيد من السيولة قد يؤدي إلى ضغوط تضخمية إضافية، لتعود الأسعار وتلتهم الزيادة الجديدة. وهكذا تدخل الحكومة والموظفون في دائرة مغلقة: العاملون يطالبون برفع الأجور بسبب التضخم، والحكومة تحتاج إلى أموال لرفع الأجور، وأي تمويل غير مستدام قد يخلق تضخماً جديداً. ويرى اقتصاديون أن معالجة الأزمة عبر زيادات مؤقتة في الرواتب وحدها لن تكون كافية ما لم يصاحبها إصلاح أوسع للإنفاق العام والسياسة الضريبية وإدارة الموارد.
هل يذهب المال إلى الحرب؟
في قلب الجدل الاقتصادي تبرز قضية الإنفاق العسكري. فاستمرار الحرب يعني تخصيص موارد ضخمة للأمن والتسليح والإمداد والعمليات العسكرية، في وقت تعاني فيه قطاعات التعليم والصحة والخدمة المدنية من نقص التمويل. ويطرح العاملون سؤالاً يتكرر بصورة متزايدة: إذا كانت الدولة قادرة على توفير الأموال لاستمرار العمليات العسكرية، فلماذا تعجز عن الوفاء بحقوق الموظفين وتحسين رواتبهم؟ ويرى محلل اقتصادي أن استمرار الاختلال بين الإنفاق العسكري والإنفاق الاجتماعي سيزيد الاحتقان مهما حاولت الحكومة معالجة الأزمة عبر إجراءات جزئية. ويضيف أن المشكلة أصبحت مرتبطة بأولويات الموازنة نفسها: «من يتحمل تكلفة الحرب؟». فالضرائب والرسوم والجمارك في النهاية تنتقل إلى أسعار السلع والخدمات، بينما يدفع المواطن الجزء الأكبر من التكلفة بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
الضرائب والجمارك تزيد الضغوط
وتزداد حساسية الأزمة مع توجه الحكومة إلى تعزيز الإيرادات من خلال أدوات التحصيل المختلفة. فالرسوم الجمركية المرتفعة تزيد تكلفة الاستيراد، والضرائب والرسوم الحكومية ترفع تكلفة ممارسة النشاط الاقتصادي، بينما ينقل التجار والمستوردون جزءاً كبيراً من هذه التكاليف إلى المستهلك النهائي. ويحذر خبراء من الوصول إلى مرحلة تصبح فيها الزيادة في الرسوم أقل قدرة على زيادة إيرادات الدولة لأنها تؤدي في المقابل إلى انكماش النشاط الاقتصادي وتوسع السوق غير الرسمي والتهريب. كما أن الضغط المفرط على الاقتصاد الرسمي قد يدفع المزيد من الأنشطة إلى العمل خارج النظام الضريبي، ما يضعف الإيرادات بدلاً من زيادتها.
متى تصبح الإضرابات خطراً حقيقياً؟
ليس كل إضراب قادراً على تغيير السياسات الحكومية.
لكن الأمر يختلف عندما تنتقل الاحتجاجات من مؤسسة منفردة إلى قطاعات متعددة، خصوصاً إذا وصلت إلى قطاعات حيوية مثل التعليم والصحة والنقل والخدمات العامة والمصارف. ويرى مختصون في الشأن النقابي أن قوة الإضرابات لا تقاس فقط بعدد المشاركين فيها، وإنما بقدرتها على الاستمرار والتنسيق بين القطاعات المختلفة وامتلاك مطالب محددة يمكن التفاوض بشأنها.
فإذا ظلت التحركات متفرقة ومحدودة جغرافياً ومهنياً، تستطيع الحكومة احتواء كل حالة بصورة منفصلة. أما إذا تحولت المطالب إلى موجة واسعة تجمع قطاعات متعددة حول ملفات الأجور والضرائب والرسوم وتكلفة المعيشة، فإن الحكومة ستواجه مستوى مختلفاً من الضغط.
من المطالب المهنية إلى أزمة سياسية
الخطر الأكبر بالنسبة إلى حكومة بورتسودان ربما يكمن في تحول الأزمة من مطالب فئوية إلى قضية عامة. فالمعلم الذي يطالب بتحسين راتبه، والموظف الذي يحتج على ضعف الأجر، والتاجر الذي يعترض على الرسوم، والمواطن الذي يشكو من الأسعار، يتحركون من مواقع مختلفة، لكن جميعهم يتأثرون في النهاية بالأزمة الاقتصادية نفسها. وإذا التقت هذه المطالب، فقد تتشكل كتلة اجتماعية أوسع من الاحتجاج يصعب التعامل معها عبر حلول جزئية. ويشير محلل سياسي إلى أن «الحكومات تستطيع في العادة التفاوض مع قطاع مهني واحد، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الأزمة الاقتصادية إلى شعور عام بأن السياسات نفسها لم تعد قابلة للاستمرار». وعندها تنتقل القضية من السؤال عن راتب المعلمين أو الموظفين إلى السؤال عن إدارة الاقتصاد وأولويات الإنفاق والسياسات الحكومية برمتها.
سيناريوهات أمام حكومة بورتسودان
أمام الحكومة عدة مسارات محتملة للتعامل مع تصاعد الاحتجاجات العمالية. يمكنها تقديم زيادات وبدلات محدودة لامتصاص الغضب، أو الدخول في مفاوضات قطاعية وتسوية بعض المستحقات، أو مراجعة جزء من الرسوم والسياسات المالية التي ترفع تكلفة المعيشة. لكن هذه الحلول تظل قصيرة الأجل إذا استمرت أسباب الأزمة الأساسية. فالاقتصاد السوداني يحتاج إلى استعادة النشاط الإنتاجي والتجاري، وضبط الإنفاق العام، وزيادة الإيرادات من مصادر إنتاجية حقيقية بدلاً من الاعتماد المفرط على الرسوم، إضافة إلى وقف التدهور المستمر في قيمة العملة. وقبل ذلك كله، يظل إنهاء الحرب عاملاً حاسماً؛ إذ يصعب بناء استقرار اقتصادي طويل الأجل بينما تستنزف الحرب الموارد وتعرقل الإنتاج والاستثمار والتجارة.
هل تتراجع الحكومة؟
من المرجح أن تستطيع الإضرابات انتزاع تنازلات محدودة إذا اتسعت وأثرت في الخدمات الأساسية، لكن إجبار الحكومة على تغيير جذري في سياساتها الاقتصادية يحتاج إلى ضغط أكبر وأكثر تنظيماً. وستحاول حكومة بورتسودان الموازنة بين تقديم تنازلات تحول دون اتساع الغضب وبين الحفاظ على الإيرادات التي تحتاج إليها لتمويل مؤسسات الدولة والإنفاق المرتبط بالحرب.
لكن مساحة المناورة تضيق. فكل زيادة جديدة في الأسعار تقلل القيمة الحقيقية للرواتب، وكل رسم جديد ينتقل جزء منه إلى المستهلك، وكل انخفاض جديد للجنيه يعيد الأزمة إلى نقطة البداية. ولهذا ربما لا يكون السؤال خلال المرحلة المقبلة: هل تستطيع الحكومة وقف الإضرابات؟ بل: هل تستطيع معالجة الأسباب الاقتصادية التي تدفع العاملين إلى الإضراب أصلاً؟ فإذا استمرت الرواتب في التراجع أمام الأسعار، واتسعت الضرائب والرسوم، وظلت الحرب تلتهم جانباً كبيراً من الموارد، فإن الاحتجاجات المهنية قد لا تبقى مجرد إضرابات للمطالبة بالأجور، بل يمكن أن تتحول تدريجياً إلى اختبار اجتماعي وسياسي لقدرة حكومة بورتسودان على الاستمرار في سياساتها الاقتصادية الحالية.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.