ليست كل دعوة إلى “العفو” تحمل في طياتها معنى التسامح، وليست كل مصافحة تُبنى على الرغبة في طي صفحة الماضي. ففي السياسة، كثيرًا ما تتحول شعارات المصالحة إلى أدوات لإعادة إنتاج السلطة، وإضفاء المشروعية على وقائع فرضتها القوة لا التوافق الوطني.
من هذا المنطلق، يبدو ما يُطرح تحت عنوان “عفو البرهان” أقرب – في تقديري – إلى مأدبة سياسية أُعدّت لاستقطاب المنهكين والمترددين وضعاف الإرادة، أكثر من كونه مبادرة تستهدف معالجة جذور الأزمة السودانية. إنها دعوة لاختبار قابلية البعض للتخلي عن المبادئ التي خرج من أجلها ملايين السودانيين في ثورة ديسمبر، مقابل مقاعد أو امتيازات أو وعود بمكان في المشهد الجديد.
السلطة التي وُلدت من فوهة البندقية لا تستطيع أن تعيش طويلًا دون غطاء سياسي. ولهذا، يصبح استقطاب شخصيات مدنية، أو الدفع بانقسامات داخل القوى السياسية، جزءًا من معركة صناعة الشرعية. فكل اسم يقبل الانضمام، وكل صوت يبرر، وكل موقف يتراجع، يُستخدم لإيصال رسالة مفادها أن المعارضة لم تعد موحدة، وأن الانقلاب أصبح أمرًا واقعًا يجب التعايش معه.
وفي رأيي، فإن أخطر ما في هذه المرحلة ليس اختلاف السودانيين حول الحلول، وإنما تحويل الانقسام إلى أداة حكم، وإغراء بعض النخب بالتخلي عن مطالب التغيير مقابل مكاسب آنية. فعندما تصبح القضية الوطنية سلعة قابلة للمساومة، يكون الخاسر الأول هو الوطن، وليس أي تيار سياسي.
ويعتقد كثير من المراقبين أن القوى المدنية ظلت الهدف الأكثر إلحاحًا لمحاولات الإضعاف والتشتيت، سواء عبر استقطاب شخصيات منها، أو تعميق الخلافات بينها، أو تقديم بدائل سياسية أقل قدرة على معارضة السلطة. وفي خضم هذه العملية، تتراجع الأولويات الوطنية أمام حسابات النفوذ والبقاء.
ويرى منتقدو السلطة أن المستفيد الأكبر من هذا الواقع هو التيار الإسلامي، الذي يسعى – بحسب رؤيتهم – إلى استعادة حضوره داخل مؤسسات الدولة، مستفيدًا من حالة الحرب والانقسام، ومن تراجع مساحة العمل السياسي المفتوح. ويعتبر هؤلاء أن أي ترتيبات سياسية لا تؤسس لعملية انتقال شاملة وشفافة قد تفتح الباب أمام إعادة إنتاج موازين القوى القديمة بأشكال جديدة.
إن الثورة السودانية لم تكن مجرد احتجاج على أشخاص، بل كانت رفضًا لمنهج كامل يقوم على احتكار السلطة وإقصاء الخصوم وإضعاف المؤسسات المدنية. ولذلك فإن أي مشروع سياسي يحاول الالتفاف على تلك المطالب، أو إعادة صياغتها بما يخدم استمرار السلطة، سيظل – في نظر قطاع واسع من السودانيين – بعيدًا عن روح ديسمبر وأهدافها.
قد ينجح البعض في شراء الولاءات، وقد ينجح في استقطاب المترددين، لكن التاريخ السوداني أثبت أن الشرعية لا تُصنع بالبيانات ولا بالصفقات، وإنما تُبنى على الإرادة الشعبية والاحتكام إلى مشروع وطني جامع.
ويبقى السؤال الذي سيلاحق كل من يغادر صفوف التغيير طمعًا في موقع أو مكسب: ماذا سيقول للأجيال التي دفعت أثمانًا باهظة من أجل حلم الدولة المدنية؟ وهل تكفي حفنة من الامتيازات لتبرير التخلي عن قضية حملها آلاف الشهداء والمصابين والمشردين؟ إن المآدب السياسية تنتهي بانتهاء الوليمة، أما الأوطان فتبقى شاهدة على من صان مبادئها ومن استبدلها بمقعد عابر.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.