بعد سقوط مدينة الفاشر، آخر معاقل الجيش والقوات المشتركة في إقليم دارفور، وانسحاب الجيش والمشتركة والمقاومة الشعبية والمستنفرين تحت وطأة الهجوم الكاسح لقوات تحالف تأسيس، دخل المشهد السياسي في البلاد مرحلة جديدة من الارتباك، باعتبار أن تداعيات تحرير الفاشر لم تقتصر على الهزيمة الميدانية، بل امتدت إلى عمق التحالفات التي تشكلت خلال حرب أبريل، وفي مقدمتها التحالف المثير للجدل بين مناوي وقيادات الجيش والإسلاميين ذلك التحالف السياسي القصير الذيجمع خصمين لدودين تحت مظلة الضرورة. لكن مع تبدد السيطرة الميدانية للقوات المشتركة، واهتزاز صورة مناوي كقائد صامد، بدأ التحالف يتآكل من الداخل، فيما تتصاعد الأسئلة في الشارع السياسي السوداني: هل سيصمد زواج المتعة بين مناوي والحركة الإسلامية بعد سقوط الفاشر؟
خسارة مدينة الفاشر بمثابة ضربة موجعة لتحالف مناوي والإسلاميين، إذ تبادلت قواعد القوات المشتركة في البلاد الاتهامات بالخذلان والتآمر..
لزهاء العقدين، ظلت مدينة الفاشر تمثل عاصمة رمزية لمشروع مناوي السياسي والعسكري، وقاعدة لحركته التي خاضت معارك ضارية ضد نظام المؤتمر الوطني في دارفور المباد…لكن المفارقة أن سقوطها هذه المرة لم يكن على يد الحركات المسلحة، بل على يد قوات الدعم السريع، التي تحولت إلى العدو المشترك لمناوي والإسلاميين على حد سواء.
مع ذلك، كانت خسارة مدينة الفاشر بمثابة ضربة موجعة لتحالف مناوي والإسلاميين، إذ تبادلت قواعد القوات المشتركة في البلاد الاتهامات بالخذلان والتآمر.. فأنصار مناوي اتهموا الجيش ومليشيات الإسلاميين المتحالفة معه بعدم التدخل لفك الحصار عن المدينة رغم النداءات المتكررة، معتبرين ما جرى طعنة في الظهر من الحلفاء في بورتسودان.
في المقابل، قلل التيارات الإعلامية للإسلاميين من حجم الهزيمة، محملاً مناوي المسؤولية عن سوء التقدير الميداني وضعف القيادة، وسط حديث متزايد عن أن ما جرى في الفاشر كان متوقعًا منذ عدة شهور.
خلال العامين الماضيين، ظل مناوي يبعث برسائل ودية إلى الإسلاميين، مشيدًا بسودانيتهم ومطالبًا بالاستفادة من كوادرهم في إدارة الدولة، وحرب أبريل في تحول فاجأ كثيرين ممن عرفوه كأحد أبرز المتمردين ضد نظام عمر البشير المباد.
غير أن بعد سيطرة قوات تأسيس علي الفاشر، تغير المشهد تمامًا مما اختفى علي إثره خطاب الغزل، وظهرت نبرة اتهام وتبرؤ من قبل دوائر إجتماعية وسياسية قريبة من مناوي ألمحت إلى أن شركاء الحرب في بورتسودان تخلوا عنهم في لحظة الحسم، بينما تحول الواجهات الإعلامية للإسلاميين إلى الهجوم عليهم، واتهامهم بسوء الإدارة والهروب من ساحة القتال في الإقليم.
خسارة مني اركو مناوي قائد حركة جيش تحرير السودان للفاشر لم يكن مجرد خسارة عسكرية، بل سقوط سياسي لتحالف عسكري بُني على المخاوف السياسية والمصالح الذاتية..
إلي ذلك، يقول محلل سياسي فضل حجب اسمه، ل“عين الحقيقة” إن خسارة مني اركو مناوي قائد حركة جيش تحرير السودان للفاشر لم يكن مجرد خسارة عسكرية، بل سقوط سياسي لتحالف عسكري بُني على المخاوف السياسية والمصالح الذاتية، مشيرًا إلي أن مناوي ظن أن التقارب مع الحركة الإسلامية عبر لافتة الجيش سيمنحه دعمًا استراتيجيًا، لكنه اكتشف مؤخرًا أن الإسلاميين لا يتحركون إلا بقدر ما يخدم عودتهم إلى السلطة والثروة.
وتابع المحلل قائلاً: إن الأمر الأكثر إيلامًا لمناوي لم يكن فقط في تراجع قواته في جميع محاور القتال، بل الانقلاب الإجتماعي والسياسي عليه داخل إقليم دارفور، مؤكدًا أن القوى الأهلية والزعامات التقليدية التي أيدت الحرب ضد الدعم السريع باعتبارها معركة لحماية الإقليم من الفوضى، وجدت نفسها فجأة تحت سيطرة الدعم السريع، لتبدأ مراجعة مواقفها.
كما لفت المحلل السياسي إلي أن الكثير من القوى الإجتماعية في إقليم دارفور صب جام غضبه على مناوي، متهمًا إياه بتوريط الإقليم في حرب خاسرة، والارتهان لتحالف عسكري لا يهتم بمصير دارفور.
وفي ذات الإتجاه صدرت بيانات متلاحقة من قبل فعاليات مدنية وشبابية علي صلة بإقليم دارفور، وُصف سيطرة الدعم السريع علي المدينة بأنها نتيجة خيانة من الجيش والمليشيات الحليفة، التي لم تحرك ساكنًا لإنقاذ المدنيين المحاصرين إلي جانب القوات المشتركة داخل مدينة الفاشر لزهاء الثلاث الأعوام.
وفي الصعيد، يرى مراقبون أن هذه الردة الشعبية والسياسية ستترك أثرًا بالغًا على مستقبل مناوي السياسي، خاصة في ظل تآكل رصيده الشعبي في دارفور، وازدياد العزلة علي تحالفه مع قيادات الجيش والإسلاميين.
في المقابل، يراقب الجيش وتيار الإسلاميين المشهد بحذرٍ شديد.. فبينما يحاول قادة الجيش احتواء غضب داعيهم من إقليم دارفور وطمأنة الحلفاء المحليين، يواصل الإسلاميون ترتيب صفوفهم إعلاميًا وسياسيًا لتصوير ما جرى في الفاشر كانسحاب تكتيكي، وتبرئة أنفسهم من الفشل العسكري.
إلا أن ثمة مصادر من داخل تحالف مناوي ببورتسودان أوضحت ل“عين الحقيقة، أن التوتر بلغ مستويات غير مسبوقة، إذ يشعر مناوي وانصاره في القوات المشتركة بأنهم استُدرجوا إلى معركة لم تُحسب نتائجها بدقة، بينما يتعامل الإسلاميون معهم كورقة انتهى مفعولها بعد الفاشر.
وطبقًا لمحللين سياسيين، أن العلاقة بين مناوي والإسلاميين وصلت إلى مرحلة اللاعودة إلا أن الطرفين في مرحلة يستطيعوا فك التحالف بينهم رغم أنهم فقدوا الكثير في الميدان، بالتالي لم يعد ما يجمع بينهما سوى الخطاب العدائي للدعم السريع، وهو خطاب لم يعد كافيًا لتغطية الانقسامات المتزايدة.
تقارير: بعد سقوط الفاشر، سيبدأ كل طرف في البحث عن مخرج آمن، ولن يغامر أحد بالدفاع عن الآخر. فيما تفيد التقارير أن الإسلاميين يحاولون تحميل مناوي مسؤولية الهزيمة للتنصل من تبعاتها
وفي سياق متصل، ذكرت تقارير إعلامية سابقة أن تحالف مناوي مع الإسلاميين كان خطأً استراتيجيًا، لأنه جمع بين من قاتل النظام نفسه ومن يسعى لإحيائه. وتابعت التقارير الإعلامية أن التحالف، بعد سقوط الفاشر، سيبدأ كل طرف في البحث عن مخرج آمن، ولن يغامر أحد بالدفاع عن الآخر. فيما تفيد التقارير أن الإسلاميين يحاولون تحميل مناوي مسؤولية الهزيمة للتنصل من تبعاتها، بينما قد يسعى الأخير إلى إعادة التموضع سياسيًا عبر خطاب أكثر استقلالية، وربما عبر الانفتاح على قوى مدنية أو إقليمية جديدة.
باعلان التحرر الكامل لقوات تأسيس علي الفاشر، لم يعد الأمر مرتبطًا بتحرر المدينة فحسب، بل سقطت معها آخر ما تبقى من الثقة بين مناوي وحلفائه الإسلاميين في بورتسودان. فالتحالف الذي وُلد في زمن الحرب كمشروع إنقاذ مشترك بات اليوم جثة سياسية تبحث عن من يدفنها.. وإذا كانت الفاشر قد كشفت هشاشة القوة العسكرية، فقد كشفت أيضا هشاشة التحالفات المصطنعة التي بُنيت على المصلحة لا على المبادئ.
فمن منطلق ميزان السياسة السودانية المتقلبة، يبدو أن زواج المتعة بين مناوي والإسلاميين كان قصيرًا كعمر الرغبة، سريعًا كوميض النصر المؤجل، وانتهى كما بدأ بخيانة وشك وصمت متبادل.
لم يكن تحرير الفرقة السادسة مشاة بمدينة الفاشر مجرد حدث عسكري، بل مرآة عكست حقيقة تحالفات الوقت الضائع.. ففي بلد أنهكته الحرب والمزايدات، يظل التحالف بين من كانوا خصومًا بالأمس مجرد صفقة مؤقتة، سرعان ما تنهار أمام أول اختبارٍ للثقة…أراد مناوي أن يكون القائد الجامع فوجد نفسه أسير لعبة أكبر منه، والإسلاميين ظنوا أن في التحالف فرصة للعودة، فاستُنزفوا في حرب لا يملكون مفاتيحها..بين لغة الغدر والحسابات الباردة، تظل الحقيقة الوحيدة أن إقليم دارفور هو من دفع الثمن الأكبر، وأن السيطرة الكاملة عليه قد تكون بداية نهاية زمن التحالفات التي وُلدت على أنقاض الخراب.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.